اعلن معنا

 


العودة   منتدى العقلانيين العرب > القاعة العامة > القاعة الدينية

القاعة الدينية مناقشة الموضوعات الدينية

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 05-07-2009, 07:19 PM   #1
محمد التميمي
عضو أساسي
 
الصورة الرمزية محمد التميمي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 2,648
افتراضي مراجعات في دعاوى الدكتور محمد شحرور

أبو يعرب المرزوقي


تونس في 09.01.03


تمهيد :


لا أحد يمكن أن ينكر أن المسلمين يعانون من أزمتين في فاعليتهم الوجودية بمستوييها التصوري (الضبابية التي أصابت مناظيرهم الوجودية) والفعلي (تعطل فاعليتهم التاريخية) . والمعطى المطمئن هو سعيهم الدائب منذ قرنين لاسترداد المبادرة فيهما كليهما . كما أنه لا يمكن لأي أحد أن ينكر أن هذه الأزمة قد أسقطت على الماضي عامة وعلى المرجعية الدينية منه خاصة تحميلا إياها مسؤولية ما آل إليه حال المسلمين بوصفها الشرط المحدد للأمرين من منظور المسلمين أنفسهم فضلا عنها من منظور أعدائهم الذين يهاجمون أصل الحصانة محاولين كل مستطاعهم إقناع المسلمين بأن علة تخلفهم في هذين المستويين هي المرجعية المؤسسة لوجودهم هي نفسها .

وليس من شك كذلك في أن التشخيص سواء كان أصحابه من العلمانيين الساعين إلى التحرر النهائي من هذا الماضي جملة وتفصيلا أو من الأصوليين الذين يريدون إصلاح ما يقبل الإصلاح يبقى في جوهره واحدا : إنه حصر الأزمة في ما يبدو عليه حال علمي الأصول بوصفهما صوغا لهذين المستويين من الوجود ومن ثم دورهما ودور فهم الأمة لهما من قيامها الرمزي والفعلي :

فأصول العقائد باتت موضع سؤال لتحديد منظور المسلمين العقدي الإسلامي ومن خلاله للعالم .
وأصول الشرائع باتت موضع سؤال لتحديد منظور المسلمين الشرعي الإسلامي ومن خلاله لتنظيم الوجود في العالم .

ويمكن القول إن هذا التأزم على خطورته وبصرف النظر عن الحلول المقترحة من كلا الصفين يعتبر من علامات الصحة والحيوية الوجودية وليس من علامات المرض والإعياء الوجودي خاصة إذا صاحبته القدرة النظرية والعملية في التعاطي معه . وكيفهما كان الأمر فينبغي للمسلمين أن يتحرروا من تهيب الأزمات وأن يجرأوا على مجابهتها بالشجاعة الضرورية وألا يخطئوا القبلة الموجهة للعلاج خاصة والأمر ليس مقصورا على اللحظة الراهنة أو على الصدام الحالي بالغرب حتى وإن ازدادت حدة الظاهرة بمفعول هذا الصدام. فالتلازم بين التأزم الدائم والإصلاح الدائم في الحضارات ظاهرة طبيعية إذ هو عين حياة الحضارة . ولعل أكثر الحضارات وعيا بهذه الظاهرة الحضارة الإسلامية التي أدركت ثورتها القرآنية أهمية الدعوة إلى الإصلاح الدائم . وليس بالصدفة أن كانت المراجعة المواظبة مبدأ أساسيا في الحضارة الإسلامية وهي ما رمز إليه علماء الأمة بفكرة المجدد على رأس كل قرن .

لكن ما نعاني اليوم في علمي الأصول لعله لم يبق أزمة بالمعنى السوي للكائنات الحضارية الحية -إذ كل المجتمعات الحية ليس عملها التاريخي إلا علاج أزماتها التي من هذا النوع-لكونه بات مصحوبا بجمود فكري فاسد وبحركية فكرية أفسد منه حالا دون النخب العلمانية العجلى وذات التكوين المبتور وفهم طبيعة الأزمة بسبب ما عليه المتصدون لها من ضحالة علمية يرهبون بها النخب الإسلامية التي صارت تقف من العلوم الحديثة والفلسفة الموقف الاتهامي الذي وقفه القدامى منهما بسبب سوء استعمالهما ممن كانوا يتكلمون باسمهما : فنصف الطبيب يفسد الأبدان ونصف الفقيه يفسد البلدان ونصف النحوي يفسد اللسان ونصف المتكلم يفسد الأديان كما قال شيخ الإسلام ببليغ البيان ونضيف أن نصف الفيلسوف يفسد كل الوجدان والفرقان عند كل إنسان . ذلك أن الأزمة الأخيرة التي عرفتها حضارتنا صاغها الصوغ البين علمان أحاطا بالقرن الثامن بدايته وغايته :


فأزمة أصول العقائد التي تصدى لها شيخ الإسلام ابن تيمية علتها الرد العقدي لمجال الحرية (الإنسانية) وشريعة التكليف الإلهية إلى مجال الضرورة الطبيعية ومشيئة التسخير الربوبية .


وأزمة أصول الشرائع التي تصدى لها علامة الإسلام ابن خلدون علتها التحقيق الفعلي لنظام سياسي وتربوي يستند إلى ذلك الرد ما أدى إلى تحويل التربية والسياسة إلى نفي لحرية الإنسان وكرامته.


وهاتان الأزمتان هما نفساهما الأزمتان اللتان لا نزال نعاني منهما ونعاني خاصة من القصور الفكري الذي جعل فكرنا دون تشخيص هذين المفكرين المجددين وعلاجهما قبيل فترة السبات الشتوي الذي عاشته حضارتنا من بداية القرن التاسع إلى بداية النهضة . الأزمة الحقيقة اليوم هي الأزمة الفكرية الناتجة عن أدعياء الطبابة والفقه والنحو والكلام والفلسفة في مجالي العقائد والشرائع , والأزمة مضاعفة :


مبتسرات من العلوم الحديثة يتسلح به التحديثيون المزيفون فيفسدوا الفكر العلمي والفلسفي الذي ينحط عندهم إلى شعارات يستعملونها لشغل منازل في السلم الاجتماعي وليس لتحقيق ما يفترضه العلم والفلسفة من تحول في الوجود الفعلي للإبداع الرمزي والمادي في الحضارة ذات القيام الذاتي المستقل . لذلك فالجامعات ومعاهد البحوث تحولت إلى طواحين هواء إيديولوجي لا تعدوه حتى صارت تلاميذ الدرس الحضاري قادة فكر وإصلاح ديني .


وتصديق لهم من التأصيليين يجعلهم يتهمون المناهج الحديثة فينقلون الحوار من التنافس العلمي والفلسفي مع هؤلاء الأدعياء إلى مجرد تبادل التهم معهم حول عقائدهم الدينية وإخلاصهم القومي أو الملي وإذا بما كان ينبغي أن يكون محركا للإبداع يصبح مجرد معارك لا تتجاوز التنابز بالألقاب والصراع على الكراسي لدي النخب السياسة ألتي بلغت الحد الذي علاجه الوحيد هو الكي .


إن الإيهام بأن المناهج الحديثة هي التي أوصلت إلى سخافات البعض وتصديق البعض الثاني بأن سوء استعمالها ليس ناتجا عن عدم تمكن هؤلاء المتكلمين باسمها منها بل هو خصيصة ذاتية للمناهج الحديثة آل إلى إفساد الفلسفة والدين والمناهج في آن : وهكذا صارت علوم اللسان والمنطق والهرمينوطيقا وتاريخ الأديان معيبة في ذاتها وليست معيبة لسوء استعمالها . والمعلوم أن السجال مع هؤلاء الأدعياء الذين صاروا جميعا يوصفون بكونهم أصحاب مشروعات لقراءة التراث أو لقراءة مرجعيات الإسلام متردد في الرد عليهم بين طريقتين لا ثالثة لهما :


فأما الأولى فتهتم بنواياهم ومعتقداتهم وهي خير معين لهم في ترسيخ النجومية التي يسعون إليها : فمن يسعى إلى التظاهر بالانفتاح والمعرفة الحديثة والتقدمية لا يمكنه أن يقنع بما يدعيه إلا إذا تبين للقاصي والداني أنه أصبح ضحية فكره بدليل ما يعاني منه من هجوم من صف الظلامية والرجعية والمعرفة المتخلفة .


وأما الثانية وهي ما يتجنبه الرادون لعسرها وما يخشاه المتظاهرون بالانفتاح والمعرفة الحديثة والتقدمية فتتمثل في مناقشة مقالاتهم أسانيدها ومناهجها وتناسقها دون سواها . ذلك أن مراجعتهم في دعاواهم المعرفة العلمية الحديثة وتوظيفها في عملية التجديد لن يتعلق بالحاجة إلى التجديد الذي لا يختلف فيه اثنان بل بشروطه التي يدعونها .


وهذه الطريقة رغم كونها الأعسر فإنها الطريقة الأكثر فاعلية وتأثيرا لأنها تقطع دابرهم مع الحرص على تعلم المناهج الحديثة وتجذيرها حتى تصبح جزءا لا يتجزأ من مبدعات أهل الملة الذين يؤمنون بأن أصل الدين ورأسه هو طلب الحقيقة بمناهجها مع العلم بأن معرفتها هي دائما معرفة نسبية ومتطورة . وبذلك نبتعد عن المهاترات الشخصية ونكتفي بالبحث في الأسانيد النظرية والمنهجيات والتناسق المنطقي بين المقدمات والنتائج : وعندئذ سيتبين أن كل أدعياء التحديث العلمي والفلسفي هم أبعد الناس عن العلم والفلسفة لكونهم لا يعلمون منهما إلا الشعارات التي تخدم منازلهم لدى من يستمدون منه الشرعية الثقافية سواء لدى النخب الحاكمة (في الداخل) أو النخب المتحكمة في النخب الحاكمة (في الخارج) .



لذلك فسأختار هذه الطريقة الصعبة لأحلل مشروع الأستاذ شحرور لعلي أفهم إدعاءه المتواضع بأن فكره سيحكم عالم الإسلام بعد موته . وليعذرني القارئ إذا رآني لا أتردد في تهنئته من الآن بما هو أكثر من ذلك : ذلك أني سأبين بيسر قد لا يتوقعه أنه من الآن يحكم عالم الجهل كله ليس في عالم الإسلام وحده بل في كل أصقاع الدنيا حيث تظن شعارات العلم والحداثة علما وحداثة حقيقيين . سأكتفي بالنظر في ما يدعيه الأستاذ شحرور من أسس عقلية ومناهج علمية حاصرا همي في مطالبته ببيان طبيعة الشروط التي اعتبر عمله نابعا منها وفيم يتمثل دورها في ما يدعيه من نتائج توصل إليها في ثورتيه في أصول العقائد وأصول الشرائع .


وبين أن أصحاب المشروعات يمكن أن نرد عملهم كله إلى فكرة واحدة أيا كان اتجاههم : فالمشكل الوحيد ليس مشكلا ينبع من أصول الدين أو أصول الفقه في صلتهما بمسارهما الذاتي وبمسار الفكر الإنساني الأهلي والأجنبي بل هو كيف السبيل إلى تطويع مرجعيات الإسلام الأساسية لتلائم ما يسمونه مقتضيات العصر جاعلين من الواقع التاريخي معيارا لتقويم ما بعد الواقع المثالي الذي يهدي كل حركة تاريخية سواء انطلقنا من حكم العقل أو حكم النقل . ذلك أنه لو حكمنا ما يسمونه واقعا في قيم الأخلاق العقلية عقلا وفي قيم الدين النقلية نقلا لما بقي معنى لتعالي القيم على التاريخ أعني لماتت حركة الواقع سعيا إلى المثال .


والمعلوم أني - حتى بسبب هذا الوجه وحده - كنت لا لأولى أهمية للتعليق على هذا الجنس من المحاولات . وما كنت لأتكلم في عمل الأستاذ شحرور أو على الكثير من أصحاب المشروعات من جنسه لولا ما دفعت إليه دفعا بسؤال أتاني من ابن كريم يحبني في الله [1] وجه إلي سؤالا تداول فيه مع أخوة له أرادوا الاستئناس برأيي في ما يشبه الاستشارة العلمية حول ما يزعمه أصحابه من طابع علمي لمحاولاتهم . والمعلوم كذلك أن الأمر كان كذلك في عديد المرات بخصوص مشروعات النجوم من مفكري العرب الذين يصح فيهم جميعا صفة المتنبي لئلا نذهب إلى أكثر من ذلك : مثل تعليقي على اللادينية العربية وعلى صاحب العالمية الثانية أو على أركون الخ ....



إن ما كان يحيرني دائما هو كيف لأصحاب المشروعات بمعجزة الجمع بين زعم العلمية بما يقدمونه من زاد وزعم الإطلاق الذي تتصف محاولات الإصلاح الديني في هذه المشروعات التي يريدون أن يعيدوا بها بناء كل شيء بزاد قد لا يصدقني احد لو قلت إنه لا يتجاوز المعارف البدائية في ما يزعمونه من اختصاصات علمية يبنون عليها إصلاحهم . والأمثلة كثيرة سبق لي أن عالجت عرضا آراء مفكرين منهم . أولهما هو أركون الذي صار أصل الفكر الديني عند العلمانيين العرب والذي لا تكاد تجد عنده من العلوم التي يسميها إلا أسماءها بحيث إن كل الأمر لا يتجاوز ذكر "ما ينبغي أن يحصل لو" . والثاني هو صاحب العالمية الثانية الذي لا يتجاوز كلامه شعارين هما مزعمه في علمية لغة القرآن وفي تحريفية المحدِّثين تأسيسا لنزعة باتت تسمى بالقرآنية .


لكني هنا سأهتم بشيء من التركيز أكبر بمفكر لمع نجمه فانتقل مدى مشروعه الدعائي بسبب حادثة الحادي عشر من سبتمبر من خدمة أرباب السياسة المحلية إلى خدمة أرباب السياسة العالمية بحيث بات بعض الأمراء ميالين لتوظيفه تلميعا لصورتهم زعما منهم التضحية من أجل خدمة الإسلام باسم إصلاح زائف يقضي على شروط الإصلاح الحقيقي : والأكيد أن هذا النجم سيأفل بمجرد أن ينتقل الرد عليه من التفتيش في نواياه وعقائده لمحاكمته فقهيا - وهو ما ليس لأحد الحق فيه - إلى بيان وهاء ما يدعيه من علم بل وحتى عدم استعماله حتى لو صح أنه يعلم ما يزعمه - وذلك حق الجميع في مساءلة الدعاوى .



وبذلك ستكون الحصيلة صون الدين والفلسفة في آن لإيماني بأن العلوم والمناهج الحديثة لا تمثل أدنى خطر على الدين مثلها مثل كل العلوم و الأدوات التي ابتدعها العرب والمسلمون لدراسة القرآن في عهدهم الزاهر : لا أحد من علماء الدين الحقيقيين اعتبر استعمال علوم اللغة مثلا فيها ما يمس بقدسية القرآن بل هي كانت الحكم في خصوماتهم للتمييز بين الفهم المستند إلى أدلة والفهم التحكمي وخاصة في النزعات الباطنية التي تؤول ما تشاء كما تشاء .



والخطر ليس مأتاه من المعرفة الحديثة ولا من الفلسفة ولا حتى من الهرمينوطيقا وتاريخ الأديان بل منها إذا استعملها من يجهل حقيقتها فتصبح كالسلاح بيد المعتوه وتؤدي إلى الإصلاح الزائف : فهو مثله مثل العملة الزائفة كلاهما يقتل حيوية الإبداع الأول يقتل الإبداع الثقافي لثروة الأمم الرمزية والثاني يقتل الإبداع الاقتصادي لثروتهم المادية . وكل من قرأ أعمال هذا المفكر يدرك أن مشروعه نسخة مطابقة للأصل من مشروع صاحب العالمية الثانية على الأقل من خمسة وجوه :

1- الانتساب المعلن إلى أبجديات الفلسفة المادية بمعناها السطحي والنزعة الوضعية في نظرية المعرفة .

2- نفي الترادف اللغوي [2] في اللغة عامة وفي القرآن الكريم خاصة .

3- إدعاء علمية اللغة القرآنية بالمعنى الوضعي للعلوم والفنون القانونية والخلقية .

4- ادعاء الاعتماد على المنهجين اللساني والمعرفي أداتين لقراءة القرآن عقديا وشرعيا .

5- جعل مسألة المرأة محور الحرب على السنة والحديث وتأسيس النزعة القرآنية ضمنيا أو صراحة .



ولكنك عندما تنظر في ما يستعمله من هذين السندين وصلته بما توصل إليه من نتائج تنتهي إلى الحصيلتين العجيبتين التاليتين اللتين سنبرهن عليهما تباعا :


فأولا كل ما يذكره من هذين السندين لا يتجاوز العناصر البدائية التي هي دون عموميات اللسانيات لكونها مناقضة لأساسها من أصله [3] والإبستومولوجيا المادية [4] أعني الحصرم التي تجاوزتها الفلسفة عامة والماركسية خاصة منذ بدايات القرن العشرين حتى عند لينين عندما درس هيجل مباشرة .

وثانيا كل ما يذكره منها ليس ضروريا لما يدعي أنه استمده من القرآن بفضلها لأن ما كان منه صحيحا سبق إليه غيره من دون استعمالها وما كان غير صحيح لا يمكن أن يستمد بها لو استعملت . وبعبارة أوضح فالسيد شحرور لا يبين لنا كيف يؤسس فهمه على علوم اللسان سواء كانت حديثة أو قديمة .



وسنبين بالتحليل الدقيق أن ما يقوله دك الباب خلع للمخلوع من الأبواب بل إن جله كلام خال من الصواب ولا صلة لمباحثه بمباحث هذا التفسير من أي نافذة أو باب . فبقليل من منطق العقل السليم يدرك أي إنسان الوهاء المضحك لما يقوله دك الباب ولما يبنيه على قوله شحرور من تمييز بين الذكر والكتاب.


وحتى لا يبقى الكلام وكأنه مجرد حكم عام على مشروعات يدعي أصحابها أنها ثورية يحاولون بها إنقاذ الإسلام من الخطرين اللذين يهددان بقاءه أعني الجمود الفقهي والإرهاب الثوري الناتج عنه -كما يدعي صاحب تجفيف منابع الإرهاب الذي علمنا بفقه اللغة المتين الفرق بين الإرهاب والإرعاب - أنوي هنا أن أعالج بالمتابعة المنهجية الدقيقة والصرامة المنطقية اللصيقة كل ما جاء في أعمال شحرور بداية وغاية أعني :


كتابه الأول " الكتاب والقرآن قراءة معاصرة " مع مقدمة دك الباب التي علمنا أشياء ثورية في علوم اللسان الحديث أعني ما هو دون ما كان يعلمه أرسطو من الدراسات اللسانية . ذلك أني لا أفهم كيف استمد ابن جني البنية الصوتية العربية من دراسة التوالي اللساني وكيف الجرجاني البنية النظمية من دراسة التساوق اللساني لكأن الأمرين لا يقبلان ضربي الدراسة المتوالية والمتساوقة [Diachronic - Synchronic [5 .
وكتابه الأخير بعنوان تجفيف المنابع وهو آخر صيغ الكتاب الأول صيغة منه تلخصه وتعين دافعه الحقيقي (الفرصة التي سنحت للاستفادة منه دوليا تجاوزا لدوره المحلي) . وهذا المخلص نقل الفضيحة من طابعها المحلي إلى الطبع العالمي لما يزعم من نقله إلى اللغات الأجنبية حتى يعرفوا العالم بالثورة الإصلاحية الشحرورية . [6]

وطبعا فهدفي أن أزن بميزان الذهب ما في هذا الكتاب من علم مزعوم دون أن أعنى بما فيه من دعاوى ظاهرها الغيرة على الإسلام والدفاع عنه ( ضد الجمود الفقهي والإرهاب وهما أمران لا يختلف اثنان في خطرها على المسلمين وعلى صورة الإسلام ) وباطنها التنصل النهائي منه ( باسم المقابلة بين الإيمان برسالة محمد والإسلام لدين الله : وهذا هو بيت القصيد لما يفاد من ربط المدفوع الثاني إلى علة المدفوع الأول ) .


وسأتبع الخطة التالية في ثلاثة أبواب مضاعفة آمل أن يسمح الوقت بتقديمها بالتدريج وبصورة شبه منتظمة :


الأول يناقش المنهجية وفيه فصلان لأن المنهجية مضاعفة أعني المنهج اللساني والمنهج المعرفي كما يسميهما المؤلف .

والثاني يناقش المسألة المعالجة وفيه فصلان كذلك لأن المسألة مضاعفة أعني الأطروحة الأساسية (الفصل بين الإسلام والإيمان) والغاية الأساسية (تجفيف منابع الإرهاب) .

والأخير يناقش كذلك موضوعا مضاعفا أعني بعض الأمثلة من الحلول المقدمة وبيان أنها جميعا تنتهي إلى النزعة القرآنية أعني المسألة الجامعة التي تنتج عن هذه القراءة .

الباب الأول : مناقشة منهج الأستاذ شحرور بركنيه اللساني والمعرفي .

الفصل الأول : العمدة المنهجية الأولى المنهج اللساني (خرافات دك الباب) ثم ما استمده منها من تفاهات . فهل دك الباب يتكلم على علم وهو يجهل الأبجديات في علوم اللغة العربية فضلا عن اللسانيات الحديثة ؟ أليس ما يستعمله شحرور متخلفا حتى على بدايات التفسير بالعلوم اللسانية الأداة في الملة ؟

الفصل الثاني : العمدة الأساسية الثانية أو المنهج المعرفي المستمد من نظرية المعرفة المادية والجدليتين المزعومتين . هل الأستاذ شحرور يستعمل حقا المنهج الجدلي وفيم يتمثل وكيف له أن يجمع بين علم الدين والمنهج المادي الجدلي رغم التنافي المطلق بين الأمرين ؟

الباب الثاني: مناقشة قراءة الأستاذ شحرور .

الفصل الأول : الأطروحة الأساسية أو المقابلة بين عقديا الإسلام والإيمان وبين عصر الرسالات وما بعده فكريا .

الفصل الثاني: الغاية الأساسية المستهدفة إصلاح الرؤية الإسلامية للإسلام نفسه عقيدة وشريعة .

والباب الأخير مناقشة ثمرات هذه القراءة .

الفصل الأول : نحلل فيه بعض الأمثلة التفصيلية ننتخبها بمعيار صاحبها الذي يعتبرها ممثلة لجوهر ثورته التي ستجعله حاكما للإسلام والمسلمين بعد مماته بعد عمر طويل .

الفصل الثاني : نحلل فيه ما نعتبره الحصيلة الأساسية أو النزعة القرآنية لنحدد شروط القبول بها وما تؤدي إليه من حيث المنهج اللساني والجدلي المزعومين ثم في نظريات الفهم والتأويل الحديثين . وهل هذا ممكن حتى لو سلمنا بكونه مطلوبا .



وسأشير في خاتمة المحاولة إن شاء الله وفي عجالة لبعض الملح نستمدها من المفارقات العجيبة التي تبين وهاء فكر هذا الرجل وسنديه اللساني والمعرفي مع نماذج من التأويل والفهم اللساني المزعومين . وسأتوخى في كل ذلك إنصافه ما استطعت إلى ذلك سبيلا جاعلا من القراء الكرام حكما بينه وبيني حتى وإن كنت أعلم أن التساهل في علاج القضايا عنده وصعوبة بيان ما يهمله منها هذا التساهل يجعلان خطابه أكثر قابلية للفهم . لكني مع ذلك أقدم على العمل لأني أرى فيه فرضا علي القيام به وكأنه من أعيان الفروض . والله الموفق وهو نعم الوكيل .

____________________________________



[1]
- إنه الأخ محمد التميمي .

[2]
- من ذلك شعار انتفاء الترادف في اللغة عامة وفي لغة القرآن خاصة. وهو أمر لو كانا يعلمان معناه لدفنا نفسيهما حيين: فلو كان الترادف منفيا بإطلاق لامتنع التواصل ولامتنع التفاهم ولامتنع تعليم اللسان لأطفالنا ولغير الناطقين بها فضلا عن عدم فهم إمكانية الكلام في مثل هذه الإشكالية بالنسبة إلى من يعتبر المعاني نظمية وليست لفظية. فإذا كانت المعاني نظمية فمنى ذلك أننا نقول بالألعاب اللغوية فيصبح السياق هو المحدد للمعاني وليس الترادف ولا نفيه. لم يعد للكلمات معاني تخصها حتى نتكلم على الترادف أو نفيه. وهذه أمور سبق إليها ابن تيمية لكن ما العمل مع الأميين ؟ تجد الواحد يقول لك المعاني نظمية ثم يزعم أنه يفرق بإطلاق بين القرآن والكتاب. وينسى أن جعل المعنى نظميا يعني أنه يمكن في بعض السياقات أن يشار للقرآن بالكتاب وأن يشار للكتاب بالقرآن فكيف ميز بينهم تمييزا مطلقا والمعاني لا صلة لها بالألفاظ المفردة ؟ لكن دك الباب دق عنق اللغة فدكدك شحرور معاني القرآن.


[3]
- فاللسانيات من حيث هي علم لم تنشأ إلا لما اكتشف العقل البشري أن اللغة ليست وعاء للفكر أعني بخلاف أهم مقولات هذا المصلح العبقري. يقول لك إنه يؤسس علمه في التفسير على اللسانيات ثم يتصور العلاقة بين اللغة والفكر بصورة عامية لم يعد يقول بها حتى أغبي الأغبياء. ومن العجائب أن الرجل يتحدث عن المدلول من غير دال ليسمي به العدم : فلا يكون المصطلحان متضايفين بل يمكن تصور أحدهما من دون الثاني. وطبعا فقد كان من المفروض أن يكون الوجود دالا من دون مدلول .


[4]
- والرجل يريد أن يبني علما في التفسير ويريدنا أن نعتقد أنه ينطلق من التسليم بأن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أي إنه يدعي التسليم الإيماني بالمصدر الإلهي ثم يريد أن يعلم علما دينيا وضعيا بل وماديا جدليا. هذا ما لم أفهمه وما لا يمكن أن يفهمه عاقل مهما كان مقدار عقله ضئيلا حتى لو تخرج من مدرسة دك الباب أو دق الحنك. فإذا سملت بالتصور الوضعي المادي للعلم نفيت كل ما يتجاوز الحس والتجربة وإذا آمنت بالمصدر الإلهي للقرآني نفيت اقتصار العلم على التجربة والحس . فكيف يجمع صاحبنا ؟ تلك معجزة شحرورية أساسها إعجاز يدك الأبواب .

[5]
- ولو صح أن الفضل في اكتشاف الرجلين ما اكتشفاه هو نوع النهج الدراسي المخصوص لكان ينبغي العكس: فلو كان الأمر متعلقا بالملاءمة بين الموضوعين والمنهجين لأدرك أي إنسان له شيء من المنطق أن التساوق أولى بنظام الأصوات (الصرف) دون أن يستثني ذلك قابليته للدراسة المتوالية والتوالي أولى بنظام البنى النحوية دون أن يستثني ذلك قابليتها للدراسة المتساوقة فضلا عن التاريخ الفعلي للمنهج الذي استعمله ابن جني والجرجاني. فالتقاليب التي يؤسس عليها ابن جني الاشتقاق الأكبر ليست تاريخية من حيث البنية حتى يقال إن اكتشافها علته الاعتماد على دراسة التوالي في الزمان بدلا من التساوق فيه بل التاريخي منها هو صيرورتها مستعملة أو غير مستعملة ومن ثم صلتها بما ليس بلغوي سواء كان من مجال الدلالة أو من مجال التداول. أما من حيث البنية فالأمر يتعلق بالنظام الصوتي العربي بحيث إن المادة الصوتية التي عناصرها الحروف تتشكل بالاشتقاق الأصغر لتفيد التغير المعنوي الواحد من جنس أدنى بالتغير الحرفي المحافظ على ترتيب حروفها ويتعلق التغير بطبائع الكلمة (صرف) بحسب وظائفها في الكلام (نحو) وهي تتشكل بالاشتقاق الأكبر لتفيد التغير المعنوي الواحد من جنس أعلى بالتغير الحرفي غير المحافظ على ترتيب حروفها (كل التواليف الممكنة بالمعنى المعجمي عند الفراهيدي) ولا صلة لهذا التغير بطبائع الكلمة ولا بوظائفها لأنه مقصور على المادة الصرفية لا غير. وبمجرد أن يحصل التوليف نعود إلى الاشتقاق الأصغر في الصرف والنحو المتعلق بالمعاني الأدنى. ومن ثم فالأمر يتعلق بمجالي دلالة: الأكبر مقصور على الصرفي والمعجمي والثاني يشمل الصرفي والمعجمي ويحدد صيغه (الطبائع) النحو (الوظائف).

[6]
- فهذا العمل دليل على فضيحتين هما عين الواجهة التي تسطع على مرآتها الأزمة التي ينبغي التحرز منها: فأما الأمر الأول فهو فضيحة نخبنا الفكرية إطلاع الغرب على فضائح فكرنا البدائي الذي يظنه أصحابه فكرا فلسفيا يصلحون به الدين الإسلامي في حين أن أي متكلم مسيحي لو قرأ مثل هذا الكلام لاستلقى على ظهره ورفس الأرض بقدميه كما يقال عن أمراء العرب في الماضي لما يضحكهم أمثال هؤلاء الكدائين . والثاني فهو فضيحة نخبنا السياسية : أيمكن أن تقارن أمراءنا بالأمراء الذين صنعوا أوروبا الحديثة ؟ هؤلاء أسسوا كل القلاع التي أنتجت الثورة العلمية والصناعية والتنويرية التي كان مفكروها من حجم ديكارت ولايبنتس وكنط وهيجل وروسو وديدرو الخ.... وأولئك يمولون صحافة غبية ومعاهد لنشر الجهالة الإيديولوجية باسم مكافحة الإرهاب بمن يغذونه بهذه الترهات الإصلاحية التي تفسد العقل والنقل في آن .


__________________
إذا كنت تصدق كل ما تقرأ فيجب أن تتوقف عن القراءة فوراً

التعديل الأخير تم بواسطة : محمد التميمي بتاريخ 05-07-2009 الساعة 07:48 PM
محمد التميمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الدكتور رشدي سعيد يتكلم : سمع هُس !!! د.سيد آدم القاعة الإجتماعية 0 11-04-2009 12:53 AM
تاريخ المصحف الشريف و دعاوي التحريف الطارق حوارات و مقالات 1 03-12-2008 11:22 AM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +1. الساعة الآن 08:07 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » عرب فور هوست للاستضافة والتصميم

كل ما ينشر بالمنتدى لا يعبر عن رأي المنتدى و لكن عن الأعضاء المشتركين فيه كل برأيه.