اعلن معنا

 


العودة   منتدى العقلانيين العرب > القاعة العامة > القاعة العلمية

القاعة العلمية بحث المسائل العلمية

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 27-01-2019, 08:22 PM   #1
طارق زينة
عضو أساسي
 
الصورة الرمزية طارق زينة
 
تاريخ التسجيل: May 2013
المشاركات: 1,992
افتراضي الثقوب البيضاء وجسور الزمكان

لم يكن وجود الثقوب السوداء حتى عام (1970) إلا فرضاً نظرياً بحتاً, لم يجد لنفسه الدليل التجريبي, وفي شباط من العام المذكور حدث ما لم يكن بالحسبان عندما نشرت إحدى كبريات المجلات العلمية* تقريراً للعالم الفيزيائي (جوزيف ويبر)- من معهد برينستون للدراسات المتقدمة – تحت عنوان (تجارب إشعاع الجاذبية – Gravitational Radiation Experiments) . تضمن مقال (ويبر) تجربة متواقتة أجريت على جهازين يبعدان (966) كيلومتراً عن بعضهما, وضع إحدهما في (ميريلاند) والآخر في (شيكاغو) في الولايات المتحدة فسجل الجهازان أمواجاً لطاقة إشعاعية شديدة انسابت من أكثر النقاط ازدحاماً بالنجوم في المجرة.
لم تكن هذه الأمواج مستمرة كتلك التي تنبعث من النجوم و الكواكب العملاقة, بل أتت على شكل ومضات عنيفة من أماكن معتمة بين حشد النجوم. أفاد تقرير (ويبر) أن مثل هذه الموجات كانت قد سجلت مرة على الأقل من نقاط مختلفة تزدحم فيها نجوم المجرة.
أدهش تقرير (ويبر) علماء الكون، فمثل هذه الأمواج لا تصدر إلا عن حوادث كونية بالغة العنف, واستنتج هؤلاء أن نقاط البث هذه ما هي إلا بؤر ذات جاذبية هائلة تقع بين النجوم, وتبتلع كل ما يقترب منها من أجسام سماوية, فتصدر النجوم التي تهوي في هذه البؤر تلك الأشعة الملتقطة كنداءات استغاثة أخيرة قبل أن تختفي في الفراغات المعتمة بين النجوم، و قد سميت بؤر الجاذبية الخارقة هذه بالثقوب السوداء (Black Holes).
إن نتائج تجربة (ويبر) تدعو إلى الدهشة فعلاً, فلو اختفت من عالمنا الطبيعي مجموعة من الأجرام السماوية كل يوم لفني الكون قبل عمره المعروف بأحقاب مديدة، فمجرتنا مثلا تحوي مئة مليار نجم, وعمرها حوالي عشر مليارات سنة أرضية, فلو افترضنا أن نجماً واحداً من نجوم مجرتنا يختفي كل يوم وبمعدل ثابت ومستمر, وجب أن لا تعمر المجرة أكثر من 27 مليون سنة، و هذا غير صحيح، فالأرض و هي أحد كواكب المجرة مثلا عمرها 4.5 مليار سنة، مما يشير إلى أن المادة المتسربة من الكون عبر الثقوب السوداء تُعوّض فوراً، لكن كيف؟
لقد جاءت المحاولة للإجابة على هذا اللغز الكوني في رسالة وجهها الباحث (روبرت هجلمنغ) من فرجينيا إلى مجلة علم الطبيعية ( Nature Physical Science), جاء فيها: إن جميع قوانين الطبيعة تقضي بأن يترافق اختفاء المادة في مكان ما من الكون الطبيعي, بظهورها آنياً في مكان آخر. أي أن الكتلة التي تختفي من خلال ثقب أسود, يجب أن تعود لتظهر آنياً من خلال ما اقترح (هجلمنغ) تسميته بالثقب الأبيض معتبرا إياه النظير الهندسي للثقب الأسود.
إن إجابة (هجلمنغ) تقدم حلا منطقيا للغز اختفاء المادة في الثقوب السوداء, وتنسجم مع المبادئ الكونية العامة في حفظ المادة (أي أن المادة لا تفنى و لا تخلق من عدم) و في قيام الكون على الأزواج أو التناظر في كل شيء، في النبات و الحيوان و في المادة عموما، فللمادة نظير هو ضد المادة ... و كما أن اللون الأسود هو عكس اللون الأبيض ، فإن الثقب الأبيض هو عكس الثقب الأسود في جميع صفاته: فإذا كان الضوء لا يستطيع الهروب من ثقب أسود مثلا، فإنه لا يستطيع الدخول إلى ثقب أبيض مناظر له. لكن إجابة هجلمنغ جاءت نظرية بحتة دون سند تجريبي.
مازالت الثقوب السوداء اليوم من أكثر الأماكن غموضا في الكون؛ يصف آينشتاين في نظريته النسبية العامة مركز الثقب الأسود بالتفرّد (Singularity)، وهو المكان الذي لا تسري فيه قوانين الطبيعة المعروفة لنا، في هذا المركز تنسحق كتلة العديد من النجوم و تنضغط في حجم يساوي الصفر، لكن هذا الوصف لا يتعدى أن يكون نظريا بحتا من جديد، فانضغاط كتلة ما إلى الحد الذي يصبح فيه حجمها يساوي الصفر يعني ببساطة أن كثافتها قد أصبحت لا نهاية لها، و لا نجد في الطبيعة شيئا لا نهاية لكتلته أو كثافته أو صغر حجمه ، فاللانهاية مفهوم ذهني لا أكثر أما إذا أردنا وصف أحداث خارقة كالتي تحدث في مركز الثقب الأسود بطريقة عملية، فعلينا أن نبحث عن مفاهيم رياضية جديدة تكون أقرب إلى الواقع. هذا من ناحية، و من ناحية أخرى فعندما افترض (ستيفن هوكينغ) أن الثقب الأسود سيتلاشى مع مرور الزمن عن طريق تسرب الإشعاع من أفق الحدث، ظهرت مشكلة تحتاج لحل، فالمادة التي امتصها الثقب الأسود كانت مصحوبة بالمعلومات التي تصف كينونتها و التي يمكن من خلالها إعادة تشكيلها، تماما كما يمكن من خلال المعلومات المدونة على مورثات تشكيل الجنين، فأين ستختفي هذه المعلومات فيما لو تلاشت الثقوب السوداء؟ علما أن اندثار هذه المعلومات من شأنه أن يخالف النظرية الأساسية في الميكانيك الكمومي المسماة (no-hiding theorem)، و التي لا تسمح بذلك، يمكن تشبيه هذه النظرية بلعبة الغميضة (hide-and-seek) التي يلعبها الصغار و بتعبير آخر فإن المعلومة المختفية هنا، يجب أن تظهر في مكان ما هناك، أي أن المعلومات التي اختفت في الثقب الأسود، يجب أن تظهر في مكان مناظر له هو الثقب الأبيض. يمكن توضيح ذلك بطريقة رياضية كالتالي: إن عملية الجذر التربيعي للعدد 9 هي +3 و -3 أي نظيران أو زوجان من الأجوبة، كذلك فإن اختفاء المادة في الثقب الأسود يظهرها في شكلين أو زوجين متناظرين. إن فكرة النظائر أو الأزواج هي جزء جوهري من ما يُعرف بهندسة Schwarzchild ، و عليها تقوم الصيغ المستخدمة في النسبية العامة لوصف مجال الجاذبية الحاصل بتأثير كتلة كروية في الفضاء.
في العاشر من شهر كانون الثاني (January) من العام الحالي نشرت كل من المجلتين العلميتين: (Physical Review Letters -رسائل عاديات الفيزياء) و (عاديات الفيزياء-د -(Physical Review D ، على التوالي بحثا ، قد يجعل العلماء يعيدون النظر في ما نعتقد أننا نعرفه عن الثقوب السوداء. يتناول البحث في هاتين الورقتين الشكل الفيزيائي الذي قد يبدو عليه مركز الثقب الأسود. فالبحث يقترح نظرية جديدة تصف الجاذبية التي تعمل في الحقول فائقة الصغر كمركز الثقب الأسود، من هذه النظريات ما يدعى بالجاذبية الكمومية الحلقية (Loop Quantum Gravity)، لقد صيغت هذه النظرية الأخيرة بطريقة رياضية محكمة تقوم على اعتبار أن بنية الفضاء (الزمكان) بنيةً مكممة بحد ذاتها تمثل نسيجا مرنا محكما من جسيمات مادية صغرى تتفاعل مع حقول طاقة الجاذبية باستمرار مما يتيح للفضاء أن ينحني و يلتف و يتكور إلى حدود فائقة الدقة لا يمكن له أن يتعداها. تبتعد هذه النظرية في نتائجها عن حالة التفرد في مركز الثقب الأسود التي تطرق إليها آينشتاين معتبرا أنها لا تخضع لقوانين عالمنا الطبيعي، و تشير إلى أن نسيج الزمكان يلتف على نفسه مولدا حقلا هائلا من الجاذبية في مركز الثقب الأسود يمكن اعتباره من أقوى حقول الجاذبية في الكون و بما أن الزمن يتباطأ في حقول الجاذبية العظمى، فإن أحد التفسيرات المحتملة لهذا البحث الجديد هو أن المادة التي تهوي في الثقب الأسود تعود لتنقذف مرتدة من جديد عبر الكون في لحظة ما من المستقبل بسبب تباطؤ الزمن عند مركز الثقب الأسود.
تستند فرضية الثقوب البيضاء إلى أن الزمكان مصنوع من كتل بناء حبيبية كمومية على شكل حلقات ، تشبه الخيوط ذات الحجم المحدود - لذلك لا يمكن تقسيمها أبعد من ذلك. إن هذه الحلقات تجعل الفضاء الزماني يبدو سلسًا ومستمرًا لكن طبيعته الحبيبية تمنع الأجسام عالية الكثافة مثل النجوم النيوترونية من الانهيار الثقالي إلى اللانهاية، بل إلى نقطة معينة ، تعود بعدها لتمارس ضغطًا خارجيًا كالنابض عندما ينضغط إلى حده الأقصى المقاوم ثم يعود بعد ذلك ليرتد بقوة يشار إليها باسم الارتداد الكمومي ((quantum bounce ، وهو ارتداد يعيد المادة المبتلعة في ثقب أسود لتنبع مجددا من ثقب أبيض.
إذا اعتبرنا أن الثقب الأبيض هو امتداد الثقب الأسود و أنهما يشكلان منظومة واحدة معا فإن الكثيرين يعتقدون باستحالة تشكل الثقوب البيضاء لأن ذلك ينتهك القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي ينص على أن إنتروبي المنظومة تسعى إلى الفوضى وليس إلى الانتظام. لكن الأمر ليس بمستحيل إذا نظرنا إلى المنظومة على أنها ثنائية زوجية متناظرة ينشأ فيها الزوجان معا كشرط أساسي لتشكل هذه المنظومة، تماما كما أن وجود الذكر و الأنثى معا شرط لقيام و استمرار الجنس البشري.
إن ظهور المادة المختفية بطريقة معاكسة لاختفائها في الثقوب السوداء, يمكن تسميته بعكس الانهيار (Anti Collapse), وقد استعمل هذا التعبير من قبل علماء كُثر لوصف ولادة النجوم، كعملية معاكسة لابتلاعها في الثقب الأسود.
تتطلب هندسة Schwarzchild المذكورة آنفاً ممرا غليظا يربط الثقب الأسود بالثقب الأبيض و يربط بالتالي بين أفقي كونين منفصلين كما هو مبين في الشكل، هذا الممر يعرف باسم جسر أينشتاين-روزن (Einstein-Rosen bridge) .



يجنح كتاب الخيال العلمي إلى تصور رحلات قد تقوم عبر جسور آينشتاين-روزن أو جسور الزمكان بين كونين مختلفين أو عبر المسافات السحيقة في كوننا هذا بقفزات آنية تجعل زمن الرحلة صفرا، و يقترحون لحماية و سلامة المسافرين عبر هذه الجسور حلولا شتى، و الحقيقة أن التجارب التي مرت بها البشرية علمتنا أن لا مستحيل تحت الشمس، بل ربما لا مستحيل بين النجوم مستقبلا ، لكن حلم البشرية في السفر اللحظي بين النجوم مازال في طور الطفولة و براءتها في انتظار الكثير من البحث و التجريب فلا بد لكل نظرية من سند تجريبي يدعمها مهما بدت أنيقة من الناحية النظرية، و إلا بقيت حبرا على ورق.
.يعتقد بعض علماء الفيزياء الكمومية أن البريق الخارق الذي طالما اعتقدنا أنه قادم من المستعرات العظمى (supernovae) ، ربما يكون في الواقع إشعاع صادر عن ثقوب بيضاء، بل ربما أكثر من ذلك في أن يكون الكون بمجمله قد صدر عن ثقب أبيض خارق. أو قد تكون الأشعة الكونية التي تضرب الغلاف الجوي للأرض بلا هوادة، أو الرشقات الراديوية السريعة ((fast radio bursts التي تسجلها المراصد الأرضية قادمة من الفضاء الخارجي بين الحين و الآخر توقيعا لثقب أسود يقذف المادة التي ابتلعها يوما ما عبر ثقب أبيض، لكن مازال الوقت مبكرا للجزم بذلك و لا زلنا بحاجة إلى المزيد من الدعم التجريبي للتأكد من وجود الثقوب البيضاء، عندها سنكون قادرين على توسيع فهمنا لماضي ومستقبل الكون الذي نعيش فيه.


مراجع:
*. Physical Review Letters,Volume 25, Number 3, 20 July, 1970
Don Lincoln, Live Science, Matter Sucked in by Black Holes May Travel into the Future, Get Spit Back Out | December 18, 2018 07:01am ET
Gaia staff, ARE WHITE HOLES REAL AND CAN THEY CONNECT TO PARALLEL UNIVERSES?, Jan. 26th, 2018.
__________________
قبل القيام بالثورة، يجب تسليح الرأس لا الأيدي
طارق زينة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هندسة الزمكان طارق زينة القاعة العلمية 2 14-03-2017 09:34 PM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +1. الساعة الآن 05:46 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » عرب فور هوست للاستضافة والتصميم

كل ما ينشر بالمنتدى لا يعبر عن رأي المنتدى و لكن عن الأعضاء المشتركين فيه كل برأيه.