اعلن معنا

 


العودة   منتدى العقلانيين العرب > القاعة العامة > القاعة الدينية

القاعة الدينية مناقشة الموضوعات الدينية

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 23-07-2011, 10:49 AM   #1
سامر إسلامبولي
عضو أساسي
 
الصورة الرمزية سامر إسلامبولي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 1,505
افتراضي العصمة والأئمة من أهل بيت النبوة

العصمة والأئمة من أهل بيت النبوة
إن مفهوم العصمة للأئمة دخل على الثقافة الإسلامية ولبس لبوسها، ووضعت له المبررات ونصبت له الأدلة من أي نص ممكن توظيفه لتأكيد هذا المفهوم المسبق الدخيل، وكان ذلك نتيجة الصراع السياسي على السلطة فحتى تتم عملية حشد الناس وتجنيدهم خلف قيادات معينة لابد من مبرر لذلك فكان المبرر:
أولاً: هو اختيار أهل البيت وذلك لمكانتهم الاجتماعية بين المسلمين فهم قرابة النبي لهم احترامهم وتقديرهم، فاستغل المغرضون هذه المكانة بين الناس ودفعوهم لقيادة المعارضة بشكل أو بآخر، ووضعوا نصوصاً تشيد بعظمتهم، بل أعطوهم صفات لا تكون إلا للخالق الأزلي نحو العلم بما كان وما يكون وما سيكون(1) ونشروا أمثال هذه الأفكار بنصوصها الموضوعة على لسان النبوة والأئمة أنفسهم(2).
ثانياً: اخترعوا فكرة العصمة للأئمة ليعطوهم مصداقية لإمامتهم دون الناس جميعاً ومبرراً لالتفاف الناس حولهم ليصلوا أخيراً إلى مطامعهم السياسية واستلام السلطة، ولعل أقوى وأقرب مثال على ما ذكرنا من توظيف الدين في السياسة واستغلال أهل البيت ومكانتهم الاجتماعية لقيادة المعارضة ضد النظام الحاكم وشجب الثقة عنه هم العباسيون فلقد وظفوا ذلك أحسن توظيف، واستطاعوا من خلال المعارضة بقيادة الأئمة من أهل البيت إزالة الحكم المستبد الأموي واستبداله بحكم آخر مستبد، ولكن بصورة ثانية وأفكار أخرى، وأُبعد الأئمة من أهل البيت لانتهاء دورهم ورجعت المعارضة من جديد ليستغلها كل من يطلب الحكم واقتضى ذلك إلى إيجاد فكر مستقل متميز عن الفكر السائد لأن الموافقة في الفكر تبطل وتلغي المعارضة وفي حال استمرت المعارضة مع التوافق الفكري يؤدي إلى تكشف المقصد من الثورة ويظهر السبب الحقيقي الكامن في النفوس من الطمع في السلطة، فلذا؛ كانت عملية إيجاد إيديولوجية مخالفة أمراً لازماً لتغطية الهدف السياسي ومبرراً للمعارضة وقوة ضاربة يلتف حولها الناس، وهذا ما حصل بالفعل، واستمر الصراع السياسي على السلطة من خلال توظيف الفكر الديني بواسطة أهل البيت ومنحهم صفة الإمامة الإلهية المعصومة ليضفوا عليهم صفة القداسة والمصداقية في الواقع.
فمن هذا المنطلق تكمن أهمية فكرة عصمة الأئمة، إنها القداسة والمصداقية والبديل عن مفهوم النبوة لالتفاف الناس حولهم لتوظيفهم في عملية استلام الحكم واستبدال حكم مستبد بمستبد لاحق!
ولكن بعد انتهاء الأئمة الأحد عشر وخلو الزمان من وجود الإمام المعصوم أدى ذلك إلى ضعف توظيف الفكر الشيعي لممارسة السياسة والصراع على السلطة فقام المغرضون بتطوير فكرة الإمامة واخترعوا فكرة غيبة الإمام الأخير ورجعته مرة ثانية ليقوم بمهمته وادعوا أن هناك من كان يلتقي معه في عالم المجهول يتلقى منه الأوامر ومن ثم يقوم بتوصيلها إلى الناس، وهذه الأوامر لم تكن في الحقيقة إلا أوامره هو ومن خلفه من المغرضين السياسيين!
ومع الزمن وتطور الناس واتساع أفق المعرفة صارت فكرة غيبة الإمام في سرداب أو في أي مكان آخر باهتة هزيلة فقدت مصداقيتها في الواقع وصارت وهماً وأشبه بخيوط العنكبوت محاكة في عقل الشيعي لا وجود موضوعي لها خارج ذهنه. مما اضطر قيادة الفكر الشيعي إلى تطوير فكرة الإمامة لإعطائها الحياة وإيجاد مصداقية لها في الواقع فاخترعت فكرة منصب ولاية الفقيه ليقوم مقام الإمام علمياً، ويقود الناس عملياً، وتبقى فكرة الإمامة محلها الذهن تموت بتقادم الزمن وهذا ما سوف يحصل عاجلاً أم آجلاً.
إن الأحداث في زمننا متسارعة والعالم يعيش في ثورة معلوماتية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، وحتى لا يسبقنا الزمن ويركمنا خلفه مادة تاريخية لابد من دخول ثورة المعلوماتية، وهذا لا يكون ابتداءً إلا بعملية النقد الذاتي الموضوعي والانفتاح على الرأي الآخر والتعايش معه.
ومساهمتنا في ذلك النقد إنما هي لإطلاع الآخرين على الرأي الآخر ليتسع أفق المعرفة وتتعدد الرؤى ويتم التعايش مع الآخرين للوصول إلى تجميع القوى الإسلامية والوطنية الفاعلة وتوحيدها ضد الفكر الغربي وممارسته الاستبدادية الاستعمارية.
لذا؛ سنناقش فكرة العصمة للأئمة عقلاً ونقلاً وذلك لا يتم إلا إذا استصحبنا معنا بحث عصمة الأنبياء وأوجه العصمة في الواقع التي هي:
1- العصمة من القتل.
2- العصمة من النسيان والخطأ في التبليغ وهذا يقتضي العصمة من الجنون وأي مرض يصيب العقل أو النفس.
3- العصمة من الكفر والمعاصي.
4- العصمة من الخطأ في الحكم على الأشياء ومعرفتها.
إن عصمة الأئمة حصراً يجب أن تندرج تحت واحد من أوجه العصمة المذكورة، ولنر ذلك:
أولاً: هل المقصود بعصمة الأئمة العصمة من القتل؟
نلاحظ أن العصمة من القتل لم تكن للأنبياء جميعهم وإنما كانت لأنبياء معينين مناط بهم مهمة يجب تنفيذها، وهذا لا يتم إلا بحفظه والعناية بهم وعصمتهم من القتل ليبقوا أحياء وليقوموا بما كلفهم الله به نحو عصمة النبي محمد فقد عصمه الله من القتل حتى يكمل ويقوم بعملية الإبلاغ والإنذار والبيان، إذاَ؛ العصمة من القتل مرتبطة بالمهمة التي أنيطت بالمعصوم، وبالتالي فهي ليست لذاته وشخصه وفضله وإنما لأهمية المهمة التي كُلف بها، وكان ذلك في الواقع للرسل أصحاب الكتب فقط. فأين المهمة المكلف بها أئمة أهل البيت من قبل الله عز وجل حتى يقضي بعصمتهم من القتل؟ فإن قيل إن المهمة هي الدعوة إلى الله وتعليم أحكام الشرع، فنقول: هذا ليس خاصاً لفئة دون أخرى، بل هو واجب على علماء المسلمين ودعاتهم بشكل عام، والعصمة من القتل بهذا المبرر يجب أن تشمل العلماء والدعاة كلهم، والواقع عكس ذلك تماماً فكم من الأنبياء الذين قتلوا وكذلك العلماء والدعاة، لذا؛ لا يوجد إنسان معصوم من القتل سوى من عصمه الله عز وجل.
ثانياً: عصمة الأئمة من النسيان والخطأ في التبليغ ويتضمن حفظ العقل من الفقدان أو الجنون وما شابه ذلك.
وهذا النوع من العصمة كما هو واضح مرتبط بالرسالة وهي المعنية والمقصودة من عصمة الرسول عن النسيان أو الخطأ في تبليغها، فيتم حفظ عقله من النسيان، ولسانه من الخطأ حتى تصل الرسالة كما أرسلها الله عز وجل على أكمل وجه وأحسن عرض، فأين الرسالة التي أنزلت على الأئمة ومن الذي أرسلهم؟!
هل هي رسالة القرءان؟! فإن كانت هي فمن الثابت أن هذه الرسالة نزلت على محمد وهو رسول الله إلينا دون غيره، وقد قام بعملية تبليغها للناس من دون أن يكتم شيئاً، وعلمها القاصي والداني!
قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً }الأعراف158
وحفظها الله عز وجل من التحريف والاندثار والزيادة والنقصان
قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9.
إذاَ، رسالة القرءان نزلت على محمد دون غيره، ومحمد رسول الله قد قام بتليغها للناس جميعاً دون كتمان، والله عز وجل تعهد بحفظها ابتداء واستمراراً بعد وفاة النبي وهي ما زالت تتلى إلى الآن كما نزلت تماماً.
فما هي الرسالة التي أرسلت لأئمة أهل البيت؟ هل المقصود بهذا الكلام حمل الرسالة الإلهية المنزلة على محمد ِإيماناً وعملاً ودعوة وعلماً، فإن كان ذلك فهذا العمل هو واجب على المؤمنين وليس خاصاً لفئة دون أخرى، وليس في دين الله امتيازات في ذلك، وإنما هو تحت متناول أيدي الناس كلهم قال تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ }المطففين26.
وهذه الرسالة الإلهية موجودة، ظاهرة وليست مخفية أو محتكرة، فأين المبرر لعصمة الأئمة عن النسيان والخطأ في التبليغ إذا لم يكونوا هم رسلاً من الله؟! فضلاً عن أن الرسالة محفوظة ليست بحاجة لأحد لكي يحفظها لأن الله نفسه قد حفظها، فكون الوحي الإلهي قد نزل بالرسالة فهذا يقتضي ضرورة عصمة الإنسان الذي نزل عليه الوحي ليقوم بتليغها كما نزلت، وبما أن الدين قد اكتمل نزولاً، والتبليغ قد تم، اقتضى ذلك ختم النبوة، وانقطاع وحي النبوة، واستمرار حفظ الرسالة، والاستغناء التام عن وجود إنسان يُمنحُ العصمة الربانية لعدم حاجتها لأن الرسالة الإلهية صارت عصمتها ذاتية، وذلك من خلال بنية تركيب النظام اللساني للكلام، ومصداقيتها في الواقع، واحتوائها لمجموعة نظريات كلية علمية تفسر نشأة الكون والإنسان ونظرية معرفية متعلقة بالتفكير الإنساني وحصوله على المعرفة والعلم، كما أنها محتوية على شرع حدودي صالح لأن يكون الإطار والأساس والمنطلق لأي شرع يضعه الإنسان لتنظيم علاقاته الاجتماعية في أي زمان ومكان.
ثالثاً: عصمة الأئمة من أهل البيت عن الكفر والمعاصي.
إن هذه العصمة قد تحدثنا عنها بشكل مطول فلتراجع في محلها للتوسع فهي عصمة إرادية اكتسابية نابعة من العلم والمعرفة لمآلات الأمور، وبالتالي فلا يخلو إنسان من نصيب من العصمة وتزداد كلما ازداد علماً ومعرفة، وهي تحت متناول أيدي الناس كلها وليست خاصة لفئة دون أخرى، والأنبياء أنفسهم عصمتهم اكتسابية في هذا النوع من العصمة.
رابعاً: عصمة الأئمة في فهم الأشياء والحكم عليها. وكذلك أثبتنا آنفاً أن هذه العصمة لا تكون لأي كائن، فانظر مثلاً قصة النبي موسى عليه السلام والعبد الصالح، وكيف أن النبي موسى لم يستطع فهم وتفسير سلوك العبد الصالح، وبالتالي حَكم عليه حسب ما رأى فقال:{فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً }الكهف71
فالأصل في الإنسان عدم المعرفة والعلم وهي صفة لازمة له {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً }النحل78، وكون صفة عدم العلم لازمة للإنسان مما يدل على استحالة رفعها أو إزالتها، وذلك لأن الإنسان محدود بإدراكه، وعلمه اكتسابي، ومهما تعلم فإن صفة عدم العلم ملازمة له:{وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85
فلذا؛ كانت صفة الخطأ في فهم الأمور والحكم عليها نتيجة حتمية لصفة عدم العلم اللازمة للإنسان المحدود بكل شيء، وهذا لا يُستثنى منه أحد أبداً سواء الملائكة أم الأنبياء والرسل أم الأئمة والعلماء... الخ، فمقام النبوة الذي هو لاشك أعظم من مقام الأئمة والعلماء قال الله آمراً نبيه محمد:
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ }الكهف110، فالنبي بشر له صفات لازمة لبشريته من عدم العلم والخطأ في الفهم، والمرض الموت ويتميز عن البشر بكونه يُوحى إليه فاقتضى ذلك عصمة الوحي فقط دون غيره. فلذا الملائكة والأنبياء والعلماء لا يعلمون كل شيء!! ولا يعلمون الغيب، ولا يملكون القدرة على كل شيء..الخ فهذه الصفات لا تكون لمحدود أبداً، وإنما للخالق المدير الأزلي في الوجود السرمدي في البقاء.
فإن قالوا: إن العصمة للأئمة إنما هي في فهم الدين فقط!
فنجيب:
فهم الدين متعلق بالخطاب الإلهي ذاته وقد نزل بلسان عربي مبين، وهو خطاب للناس جميعاً، ولا يوجد أحد وصي على آخر في فهمه، والنص الإلهي محفوظ عن التحريف أو الاندثار.
وبالتالي انتفى المبرر للقول بعصمة أحد سوى الأنبياء على ضوء ما ذكرنا وليس العصمة على إطلاقها، والصواب أن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء مهمتهم اجتهادية وهي متعلقة بفهم شرع الله الحدودي، ومن ثم اختيار الحل المناسب لمشكلات مجتمعهم بشرط أن لا يتجاوزوا شرع الله الحدودي ويكونوا بذلك العمل قد امتثلوا لأمر الرب عندما قال:{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ }الزمر55
وأعطوا الشرع الإلهي المصداقية في الواقع من حيث صلاحيته لكل زمان ومكان.
وبعد هذا النقاش سوف نسرد بعض المسائل الإشكالية التي تثبت وهمية فكرة عصمة الأئمة الاثني عشر.
1- إذا كانت مسألة عصمة الأئمة من مسائل الدين ولا يمكن لزمن أن يخلو من الإمام المعصوم، فلماذا كان عدد الأئمة اثني عشر فقط وانقطعت عملياً وفرغ الزمان من إمام معصوم؟
2- إذا كانت مسألة عصمة الأئمة من أصول الدين والإيمان هل يعقل أن يكون دليلها ظني الثبوت أو ظني الدلالة أو استنباطياً؟
3- هل يمكن لأمر أن لا يكون ركناً أو أصلاً من الدين في زمن النبي أن يصير ركناً أو أصلاً للدين بعد وفاته؟
إن النصوص كلها التي يسوقها الشيعة للاستدلال على عصمة الأئمة إنما تستخدم توظيفاً لإثبات الفكرة المسبقة الموضوعة من قبل المغرضين، فلذا نلاحظ أنهم يُحمّلون النص ما لا يحتمل أبداً لا على مستوى اللغة ولا على مستوى العقل، وسنرى على ذلك مثالاً لأقوى نص يوظفونه لتكريس مفهوم العصمة لأئمة أهل البيت ألا وهو قوله تعالى لنساء النبي:
{يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } الأحزاب 32-33.
فالمدقق في النص يظهر له بشكل واضح أن الخطاب هو لنساء النبي يُعلمهن الله عز وجل بعض الآداب والتعاليم ويأمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله ويأمرهن بنشر ما يسمعونه ويتعلمونه من آيات الله والحكمة، ويخبر الله عز وجل عن مقصده من هذه الآداب والتعاليم والأوامر فيقول:
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ }
فالمقصد من هذه التعاليم هو الحفاظ على سمعة أهل البيت من أن تكون على ألسنة الناس بالسوء، فأراد الله عز وجل من هذه الأحكام إذا طبقت ذهاب الرجس والتطهير لنفوس أهل البيت وسموهم الأخلاقي والإيماني من خلال السيرة الحسنة في الحياة الاجتماعية.
هذا هو الواضح من النص ابتداءً، ويظهر هنا سؤال هل أهل البيت هم فقط نساء النبي أم أن النص شمل الجميع ذكوراً وإناثاً؟ بل وجميع من يؤمن ببيت الإسلام، كما مرَّ معنا في شرح مفهوم أهل البيت سابقاً من الكتاب ذاته، فالمدقق في النص يجد أن نساء النبي هن من أهل البيت قطعاً وخاصة إن سياق النص كله إنما هو خطاب موجه لهن وبالتالي فلا يلتفت إلى أي رأي يحاول أن يخرجهن من أهل البيت.
ونلاحظ أن الله عز وجل قد استخدم كلمة [ عنكم ] بدل كلمة [ عنكن ] بقوله {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ } وهذه الميم هي للجمع المذكر ما يدل على أن الخطاب تجاوز نساء النبي ليشمل نساء أهل البيت كلهن في الخطاب ضمناً، وذلك لأن أي سوء يصيب المرأة بسمعتها إنما يصيب معها أهلها من الرجال نحو الأب والعم والأخ والابن والزوج وغيرهم من الذكور كما أن طهارة السيرة للنساء يصيب ذلك الذكور فكان الخطاب صراحة لنساء النبي وضمناً لنساء أهل البيت جميعهن فأتى المقصد الإلهي من ذلك الخطاب ومعرفاً عنه ليشمل أهل البيت جميعاً ابتداءً من نساء النبي إلى نساء أهل البيت إلى ذكورهن إلى جميع المسلمين{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } وذلك إذا امتثلتم لهذه التعاليم فإنها حتماً سوف تذهب عنكم الرجس وتطهركم تطهيراً.
ونلاحظ أن النص بعد أن ذكر نساء أهل البيت عاد إلى نساء النبي وطلب منهن {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً }الأحزاب34، وهذا الفصل بين الأوامر دليل على ما ذهبنا إليه من أن آية التطهير تنص صراحة على نساء النبي وضمناً على نساء وذكور أهل البيت جميعاً والمسلمين عموماً. ولو جاءت آية التطهير آخر الخطاب أي بعد قوله تعالى {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ} لكانت خاصة في نساء النبي حصراً وذلك لأن الحكم الأخير لا يمكن أن يطبقه إلا هن فقط لمعاصرتهن للنبي وكون التعاليم الأولى قصد الله عز وجل أن تكون عامة لنساء أهل البيت كلهن حتى تتم عملية التطهير اقتضى ذلك فصل وإفراد الحكم الأخير بعد آية التطهير وهذا هو تفسير النص الإلهي.
بينما نلاحظ المغرضين قد قاموا بتوظيف النص لفكرتهم السابقة فقالوا:
أولاً: إن الإرادة في النص إنما هي إرادة كونية أي حتمية وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }
ثانياً: إن كلمة [ عنكم] هي للجمع المذكر مما يدل على خروج نساء النبي من آية التطهير وتخصيصها في الذكور.
ثالثاً: بما إن إرادة الله كونية وهي حتمية من حيث الواقع فيدل هذا على أن طهارة ذكور أهل البيت قدر الله اللازم وبالتالي فالأئمة معصومون.
ولنناقش هذه النقاط الثلاث بشكل موجز فنقول:
إن إرادة الله حتمية من حيث الواقع والتطبيق ولا تحتمل إلا وجهاً واحداً بخلاف صفة المشيئة فإنها للاختيار وتحتمل أكثر من وجه في التطبيق(1)
فصفة الإرادة إنما هي صفة خاصة لأفعال الله {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }البروج16
{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }يس82
وفعل الله عز وجل من حيث الواقع اثنان:
1- فعل خلق: ويستخدم الله عز وجل كلمة كن فيكون حسب المراد وهذا الاستخدام أطلق عليه العلماء مصطلح الإرادة الكونية.
2- فعل تشريع أو قضاء:
وذلك أن يشرع الله عز وجل أحكاماً يريد منها مقصداً محدداً نحو قوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }البقرة185، وهذه الإرادة ليست كونية لأنها غير متعلقة بفعل الخلق وإنما متعلقة بفعل التشريع ولذلك جاءت بعد ذكر أحكام شرعية يبين الله عز وجل مقصده من هذه الأحكام بشكل محدد.
ب- {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }النساء26
جـ- {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء27
وهذه الإرادة جاءت بعد أن ذكر الله مجموعة من الأحكام فبين الله مقصده من هذه الأوامر بشكل محدد لا يحتمل معنى آخر.
د- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }المائدة6
يخبر الله عز وجل العباد أن هذه التشريعات ليس المقصد منها الحرج وإنما المقصد هو {وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }فالمقصد هو التطهير، واستخدم الله عز وجل صفة الإرادة فهل هي الإرادة الكونية التي هي حتمية من حيث التطبيق وبالتالي فالمؤمنون مطهرون قدراً دون اختيار منهم، أم أن الإرادة هنا متعلقة بالتشريع والمقصد منه؟ فإذا امتثل المؤمنون لهذه التشريعات حصلوا حتماً على الطهارة.
والخلاصة أن صفة إرادة الله من حيث الواقع لها وجهان:
الأول: الإرادة الكونية: وهي لفعل الخلق [ القدر].
الثاني: الإرادة الشرعية: وهي لعملية التشريع والمقصد منه [ القضاء].
فإذا أردنا أن نفهم قوله تعالى {وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ }كما فهمه المغرضون بأن الإرادة كونية، والطهارة حتمية، وبالتالي فالمؤمنون معصومون ولنا الحق في ذلك ونتساوى ونصبح جميعاً معصومين ولكن الصواب ليس كذلك أبداً والإرادة هنا إنما هي إرادة شرعية لا علاقة لفعل الخلق هنا أي ليست كونية، وهذا ينطبق على قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }

فالإرادة هي شرعية متعلقة بالأحكام تبين المقصد منها والناس لهم الحرية في الامتثال أو عدمه لهم أن يتطهروا أو يبقوا على ما هم عليه.
أما كلمة [ عنكم ] فقد بينا المقصد منها وكيف جاءت لتتضمن نساء أهل البيت جميعهن مع الذكور إضافة إلى نساء النبي لأنهن الأصل في الخطاب أما استدلالهم الأخير المبني على الإرادة الكونية فقد أثبتنا أن الإرادة هنا شرعية وبالتالي سقط حكمهم المزعوم!
وقد وقعوا في تناقض عجيب عندما عّدُّوا أن العصمة للأئمة فقط مع العلم أن النص ذكر أهل البيت وهذا يقتضي حسب قولهم العصمة لجميع أهل البيت: ذكوراً وإناثاّ، علماء وغير علماء، رجالاً وأطفالاً، صالحين وطالحين، مؤمنين وفاسقين..الخ.
ولا يقول بذلك أحد من العقلاء وهو قول لازم لقاعدتهم وإلا لا يوجد أحد معصوم، إما الكل حسب ما ذكرنا، وإلا فلا!
3- لقد ذكر الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه – أصول الفقه المجلد الثاني – في فصل السنة تعريفاً للمعصوم فقال:
[ إن الأئمة من آل البيت عليهم السلام ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقاة في الرواية، بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعة، فلا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي وذلك من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي].
وقال بعد هذا النص الذي سقناه بحرفيته:
[ وعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنة وحكايتها، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع، فقولهم سنة لا حكاية السنة ] ن هـ.
ولنقم بتحليل هذا النص المنقول بالحرف:
أ – الأئمة منصوبون من الله.
ب- الأئمة يُوحى إليهم بشكل إلهامي، كما يوحى للأنبياء بشكل تلقي.
جـ - بيان الأئمة غير بيان النبي.
د – الأئمة مصدر للتشريع مستقل عن التشريع الإسلامي الموجود في زمن النبي!
وسوف نترك للقارئ مناقشة هذه النقاط الأربعة المثبتة في النص الذي نقلناه آنفاً من خلال استحضار ما أثبتنا من مفاهيم.
4- إذا كانت الإمامة منصباً إلهياً لماذا تنازل الحسن بن علي عن الحكم لمعاوية ؟! ألا يعلم أن ذلك ليس من حقه وإنما من حق الله؟! فكيف يتنازل ويخالف أمر الله؟ لقد قال: لحقن دماء المسلمين. ولماذا لم يحقنها أبوه علي بن أبي طالب ويتنازل لمعاوية قبل ابنه؟! هل الابن أوعى من الأب، أم أحرص على دماء المسلمين؟!
وأي واحد منهما على حق في ما فعل ؟!
أم أن الأمر هو ضمن مجال الاجتهاد الشخصي ولكل رأيه الذي يحتمل الصواب والخطأ بالوقت ذاته، وهذا راجع للظروف وتقدير الموقف والمصلحة وبالتالي فلا عصمة لأحد.
ونكتفي بهذا العرض من الأدلة التي أثبتنا من خلالها بطلان فكرة العصمة الربانية لغير الأنبياء.
اما مسألة إمامة الناس سياسة فهي أمر متروك للناس أنفسهم {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }الشورى38وبالتالي فالدولة إنسانية وليست إلهية.
وأخيراً لابد من أن نطالب بالوحدة الإسلامية والتعايش مع الرأي الأخر إذا اقتضى الاختلاف. {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران103

(1) راجع كتاب الكافي فهو مليء بأمثال هذه النصوص الموضوعة التي تصف الأئمة بصفات لا ينبغي أن يوصف بها إلا الخالق المدبر.

(2) راجع نقد العقل الإسلامي للشيخ الركابي.

(1) راجع الفرق بين الإرادة والمشيئة في كتابي( علم الله وحرية الإنسان ).
__________________


العقل نعمة من الله، والحرية كرامة
طالب العلم يكفيه برهان واحد، بينما المجادل لايكفيه ألف برهان

{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً }الأنبياء79

منتدى الباحث
سامر إسلامبولي
https://www.facebook.com/groups/170302883083402
/
تحميل الكتب
http://www.4shared.com/account/home.jsp#dir=qH1QO0LZ

قناة الفكر الحنيف
https://www.youtube.com/channel/UCNk...fSfL1tLth23xAg
سامر إسلامبولي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل يوجد أحد معصوم ! ؟ ( العصمة في الأديان ) الفكر الحر III القاعة الدينية 60 13-10-2017 04:12 PM
قائمة باسماء مدعي النبوة - سامر إسلامبولي القاعة الدينية 34 06-10-2012 12:10 PM
مفهوم العصمة سامر إسلامبولي القاعة الدينية 0 21-07-2011 05:33 AM
أنبياء عبر التاريخ - حجة النبوة - سائل القاعة الدينية 0 28-10-2010 02:47 PM
الإجماع..العصمة.. وهم أم حقيقة؟ الطارق القاعة الدينية 1 03-09-2008 07:08 PM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +1. الساعة الآن 07:44 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » عرب فور هوست للاستضافة والتصميم

كل ما ينشر بالمنتدى لا يعبر عن رأي المنتدى و لكن عن الأعضاء المشتركين فيه كل برأيه.