اعلن معنا

 


العودة   منتدى العقلانيين العرب > القاعة العامة > القاعة الدينية

القاعة الدينية مناقشة الموضوعات الدينية

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 22-12-2012, 11:02 AM   #1
عطارد ينطق
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 140
افتراضي اليمن أرض الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل البدء بموضوعنا، يجب التذكير بالمشاركة التي تظهر في الرابط أدناه، و التي تعتبر مقدّمة ضرورية للعنوان الذي نحن بصدده.


ننصح الأعضاء الكرام بقراءة الرابط جيدا، خاصة الأستاذ أيمن الذي وعدنا بالرد عليه منذ حوالي أربعة أشهر، و لم يفعل حتى الآن. إن التسلسل المنطقي للمعلومات التي سنطرحها في هذا المنتدى يتطلّب قراءة المقدمة في الرابط أعلاه قبل الإنتقال إلى صلب الموضوع.
______________________________________

بهدف إثبات أن اليمن هي أرض الأنبياء و مهبط الرسالات السماوية، سنعمد إلى دمج مقتطفات من كتب لعدّة مؤلفين و أكادميين (كمال الصليبي، فاضل الربيعي، فرج الله صالح ديب، زياد منى، جمعية التجديد البحرينية، إضافة إلى مؤلفين غربيين سنذكر لكم أسماءهم لاحقاً). كل مرجع من تلك المراجع تضمّن جانباً من الحقيقة . و الخروج في نهاية المطاف بنتيجة تثبت النظرية يتطلّب دمج المعلومات التي وردت في تلك المراجع و دعمها بأحدث ما توصل إليه علم الآثار و الأنثروبولوجيا (علم منشأ الإنسان و هجراته) خلال القرن الماضي.

المشوار سيكون شاق للغاية، و قد يستغرق أشهر طويلة. نقطة البداية ستكون مقتطف من كتاب للسادة الكرام في "جمعية التجديد" في البحرين، بعنوان: " مسخ الصورة"، طرحوا فيه أسئلة محقّة و محيّرة بشأن رحلة النبي إبراهيم. و بغضّ النظر عن النتيجة الخاطئة التي توصّل إليها السادة الكرام في جمعية التجديد، إلا أني قد وجدت في طرحهم هذا خير بداية للموضوع.

تمهيد:

يظهر فجأة في قلب الجزيرة العربية، ليُسكن ابنه إسماعيل (ص) و "جاريته" هاجر ببطن وادٍ في جنوب الحِجاز . ثم يسافر فجأة، وهو يناهز الثمانين عاماً، مسافة 1,250 كلم تقريبا إلى الشام، على حمار أو سيراً على الأقدام؟؟... ثم يعود إلى الحجاز بعد أن قطع 1,250 كلم أخرى، ليتفقّد ابنه و جاريته. ثم يرجع إلى الشام مرة أخرى؟؟ ثم يعود إلى الحجاز؟؟ وهكذا حتى كرّر هذه الرحلة أكثر من 6 مرات حسبما تذكر كتب التراث ، و كما ينقل لنا إبن كثير في تفسيره حيث يقول: "...وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يذهب في كل وقت يتفقّد ولده وأم ولده ببلاد فاران (من أسماء جبال الحجاز المحيطة بمكّة- حسب زعمهم ) وينظر في أمرهما...". هذا ما يُدرَّس بمدارسنا اليوم بشأن رحلات الخليل إبراهيم المبهمة بين جنوب الحجاز والشام. والمُتدبِّر في هذه الرحلات يجد أن الخليل (ص) قد قطع مسافة تساوي في حدّها الأدنى مقدار 15,000 كلم مشيا أو على ظهر حمار، وهو طاعن في السن. هذا عدى رحلاته المزعومة بين بلاد النيل والشام والعراق والتي لم نُدخلها في العدد لتبسيط المُعادلة للمتدبّرين و ذوي العقول التي تأبى أن يُسخر منها. مما يعني أن رحلاته بين جنوب الحجاز والشام وحدها تتعدى في مجموعها قطر الكرة الأرضية، والذي يبلغ عند خط الاستواء مسافة حوالي 12,756 كلم! وحيث يعجز العقل السوي عن استيعاب وفهم كيف يمكن لطاعن في السن قطع هكذا مسافات مشياً أو على ظهر حمار، وما الحكمة من تجشُّمها وتكرارها، نجد إجابات قديمة أوجزها ابن كثير في قوله: " ... وقد ذُكر انه كان يركب على البُراق سريعا إلى هناك والله أعلم؟!". وهذا التفسير الغريب وضع العقل السوي على مفترق طرق: الطريق الأول ينساق نحو قبول الخبر وتفسيره قسراً، وذلك بعد تجميد جميع أجهزة العقل التحليلية والنقدية ومعاييره التحقيقية، لكون الخبر وتفسيره المساق ذا طابع قدسي ("من عند الله") و جاء في شخصية قدسية، فيُحَرَّم بذلك التفكير في الخبر وتفسيره. وهذا الطريق هو الذي سلكه أكثر من 99% من المسلمين، الذين تخلُّوا عن عقولهم إلى الأبد، و اعتمدوا أخبار التوراة السبعونية و الترجمات الإستشراقية، و جعلوها مهيمنة على النص القرآني، فضاعت نتيجة لذلك الكثير من الحقائق المتعلقة بشؤون الخليل (ص) وعائلته، وقامت عوضاً عن ذاك صروح وهمية لا تستند إلى خبر عقلاني. أما الطريق الآخر فهو رفض التفسير لتعسُّفه، ومن ثم رفض الخبر لتضاربه مع أبسط المعايير العقليّة، ودقّ ناقوس الإنذار للفت انتباه الأمم العالمية لحقيقة وقوع عملية تزوير في التراث المتعلِّق بتاريخ رحلات نبي الله إبراهيم (ص). وهذا الطريق الثاني لم يسلكه إلا النادر القليل، رغم تصريح القرآن الكريم بحقيقة وقوع تحريف وتزوير من قبل أئمة اليهود في كل ما يتعلق بالرسالات السماوية و سيرة الأنبياء و المُرسلين.



فمن أين نبدأ؟ و أين المخرج من هذه المُعضلة؟

إن لإبراهيم (ص) في العهدين القديم و الجديد مكانة خاصة. فاليهودية تعتبره جدّها الأعلى من الناحية الدينية، ناهيك عن كونه الجد الأعلى لبني إسرائيل. و الجلوس في أحضان إبراهيم بالنسبة إلى اليهودي المؤمن يُمثِّل حسن الآخرة. و المسيحية تجلّ شخص إبراهيم (ص) إجلال اليهودية له. و قد حاول الباحثون من الطائفتين التوصّل إلى معلومات ثابتة بشأن سيرة هذه الشخصية العظيمة، لما لها من أهمية دينية، و ذلك منذ أكثر من قرن من الزمن، فلم يوَفّقوا في ذلك.


و السؤال الكامن في الوعي الباطن لكل مسلم ذو عقل و حس للفضول و المعرفة هو التالي: لماذا لا يعترف اليهود و المسيحيون بارتباط سيرة إبراهيم (ص) بالجزيرة العربية؟ فالطائفتين تتّفقان تقريباً حول معظم التفاصيل العامّة لسيرته: من ولادته، إلى انتقاله من العراق إلى الشام، و الوعد الإلهي الذي قُطِع له، و رحلته إلى بلاد النيل، و هويّة إبنيه (إسحاق و إسماعيل)، وطرده "جاريته" المزعومة "هاجر" و طفلها بإلحاح من زوجه "ساراى"، إلخ... كما أن المسلمين يتَّفقون مع اليهود و المسيحيين حول معظم هذه المحطات من سيرته، باستثناء التفاصيل الصغيرة التي لا تعدو كونها ما يُسمَّى "retouche" بالنسبة للصورة العامة. إلا أنه ثمة حلقة هامة من سيرة الخليل (ص) لا يعترف بها اليهود و المسيحيون، ألا و هي أن شبه الجزيرة العربية قد نالت من نسلِه نصيباً. فهذه الحلقة المسكوت عنها عندهم ينفرد بها المسلمون دون غيرهم من أهل الكتاب، بالرغم من كون أتباع رسالة محمد (ص) يعتقدون كذلك أن إبراهيم (ص) كان غريباً عن شبه الجزيرة العربية في الأساس.

فبحسب عقيدة المسلمين، قام إبراهيم (ص) بزيارة عابرة إلى قلب شبه الجزيرة العربية، حيث "عرج" عليها – و كأنها مجرّد محطة عابرة في سلسلة من تنقُّلاته بين العراق و الشام و وادي النيل – و ترك فيها "جاريته" هاجر و ولده اسماعيل (ص)، ثم عاد يزورهما بعد يفوع هذا الأخير، حيث قاما "ببناء" البيت الإلهي (الكعبة) فيما هو مدينة مكّة اليوم، و الذي كان مقدّساً عند العرب منذ مئات السنين، ثم ما لبث أن انتقل منها مجدداً إلى الشام، حيث مات هناك، و قبره لا يزال موجوداً في مدينة الخليل في فلسطين – حسب اعتقادهم.


أليس في ذلك ما يستحق التأمُّل و التساؤل؟ و كأننا نشُم رائحة مؤامرة ما لطمس الحقائق ... فتُرى هل سَكَتَت أسفار العهد القديم فعلاً -رغم كل التحريفات التي أصابت نصوصها - عن ذكر العلاقة الوثيقة بين الخليل (ص) و شبه الجزيرة العربية؟ أم أن هناك أمر ما قد تم تهميشه عن قصد؟ دعونا نتفحَّص نصوص أسفار العهد القديم فيما يخص هذه المسألة الشائكة بالذات، لنرى ماذا يوجد بين طيّاتها من حقائق مُغَيَّبة.



1) ولادة إبراهيم


تُفصِّل الأسفار المحرَّفة رحلة الخليل إبراهيم (ص) منذ أن انطلق من أرض آبائه، حيث توضِح أنه كان من سُكَّان العراق في عهد الدولة الكلدانية (Chaldeans) و في مدينة "أور" (Ur) تحديداً ) وهي مدينة تقع قرب الناصرية حالياً)، وذلك حسبما جاء في سفر التكوين.

وأخذ تارح أبرام ابنه، ولوط بن هاران ابن ابنه، وساراي كنّته امراة أبرام ابنه. فخرجوا معاً من اور الكلدانيين ليذهبوا الى ارض كنعان. فأتوا الى حاران واقاموا هناك ]سفر التكوين 31:11[.

وقال له: "أنا الرب الذي اخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الارض لترِثها" ]سفر التكوين 7:15[.


إن هذه المقتطفات التوراتية، وأخرى مشابهة لها، هي كل ما احتاج أن يزوّره ويحرّفه فريق "السبعونية" ليتم نقل اسم نبي الله إبراهيم (ص) إلى العراق وجعله عراقياً، من مواليد حقبة الدولة الكلدانية. فلننظُر في هذا الخبر أهو حقيقة أم وهم آخر دُسَّ بليلٍ وانتشر في العالم تحت سطوة ادّعاء "هذا من عند الله"؟

لقد ذكرنا في دراسة سابقة أن النبي موسى (ص) خرج ببني إسرائيل من "مصر" و هي – بحسب الوصف القرآني - مركز تجاري مُحصَّن بسور ذات أبواب ، ولا علاقة له بما نسميه اليوم "جمهورية مصر العربية"، وذلك قرابة سنة 1250 ق.م. لذا لا بد أن يكون عهد الخليل إبراهيم (ص) متقدماً كثيراً عن سنة 1250 ق.م، طالما أن إبراهيم (ص) هو الأب السادس لكليم الله موسى (ص). و نحن نرجّح أن يكون عهد إبراهيم ما بين 1400 ق.م و 1600 ق.م. و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: ما علاقة الفترة التي عاش فيها إبراهيم (ص) بمدينة أور في الحقبة الكلدانية؟؟ لقد أنسى الله المزوّرين أن العهد الكلداني بدأ في حوالي سنة 626 ق.م، و انتهى حوالي سنة 540 ق.م. أي أن الدولة الكلدانية نشأت وانتهت بعد عهد نبي الله إبراهيم (ص) بما يقارب 900 سنة!!. فمن أين عرفت أسفار التوراة "الحقبة الكلدانية " بالله عليكم؟؟


إن تصديق هذا الخلط التاريخي العجائبي يشبه تصديق من يؤرِّخ مدَّعياً أن جمال الدين الأفغاني كان من جُلَساء عمر بن الخطاب! و يُراد لنا أن نُسلِّم بأمر هذه المرويات ، لا بل أن نُطبّل و نزمّر لها في عقيدتنا نحن المسلمين! . ومن الجدير بالذكر أن الكهنة السبعونيين الذين "ترجموا" التوراة من الإرمية إلى اليونانية، في القرن الرابع ق.م، كانوا على علم بحقبة الكلدانيين التي كانت تُمثّل قوة عظمى في ذلك الزمان، حيث جاءت هذه الحقبة قبلهم بمئتي سنة تقريباً. إن هذا الخبر المُستَنكَر على كل حال لطالما حيَّر الكثير من الباحثين الغربيين المتخصصين في العلوم التوراتية ، في جملة أخبار، حتى أنهم كتبوا فيه وحاولوا تحليل المآرب اليهودية وراء هذا التزوير الفاضح وخرجوا بنتائج مختلفة، منها أن اليهود كانوا يحاولون فرض وجودهم في تاريخ العراق، ومن ثم في أرض العراق، بعد سقوط الدولة الكلدانية على يد الفُرس الأخمينيين ، الذين تحالفوا مع كهنة اليهود لإسقاط تلك الدولة. و من أبرز من قالوا بهذا التفسير العالم التوراتي المعاصر Gary Greenberg، في كتابه بعنوان:
"Myths of the Bible - How Ancient Scribes Invented Biblical History
الذي يكشف فيه عن الكثير من تلفيقات كهنة اليهود القدماء.

ولكن يصعب أن تجد أُّذُناً صاغية لهذه الحجج العلمية والموضوعية التي قدَّمها - و لا زال يُقدِّمها - مكتشفو التزوير، وسط الصخب الإعلامي التوراتي الهائل . وفي المقابل، فإن انكشاف هذا التزوير التوراتي الفاضح زاد آخرين تعنّتاً وتمسّكاً بما ورد في الأسفار المتداولة بين أيديهم، وهم على علم بما تحمله من تناقضات صارخة، كما زادهم تصميماً على نشر هذا الضلال.

{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضِلّوا السبيل * والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً}...[45,44:4].


فنجحوا في تمرير هذا التزوير الشنيع حتى اخترق عقول المثقّفين الغربيين، ناهيك عن العامة التي أَلِفت مناهج التقليد اللاهوتي الأعمى. ولكي نتتبّع أصل هذا التزوير، ما علينا إلا الرجوع إلى"التوراة السبعونية" كما فعلنا سابقاً، عندما اكتشفنا كيف تم تغيير اسم "مصريم" إلى "أجيبت". ففي الأسفار المخطوطة بالإرمية، يرِد ذكر إسم لموطن ولادة إبراهيم لا يمُت بصِلة بمفردة "الكلدانيين" لا من قريب و لا من بعيد. ولكن هذه المفردة ظهرت في "السبعونية" بديلة للكلمة الأصل، تماماً كما ظهرت "أجيبت" (القِبط) بدلاً لاسم "مصريم" . ففي المقطع التوراتي التالي المتداول اليوم، نقرأ:


" ومات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في اور الكلدانيين."... ]سفر التكوين 28:11[.


و هذه الفقرة يقابلها بـ "العبرية " المزعومة (بالخط الإرمي المربّع):


"וימת הרן על־פני תרח אביו בארץ מולדתו באור כשׂדים"


وبالرجوع إلى جدول أبجديات الإرمية المربعة (Squared Aramaic) لاستنطاق حروف الكلمة المعنية "באור כשׂדים"بقراءتها من اليمين إلى اليسار ، نجد أنها تُنطق هكذا: أور كشديم - كسديم (السين و الشين يستبدلان ببعضهما بين اللهجات القديمة). وبالرجوع إلى النص المترجم لنفس المقتطع التوراتي كما جاء في "السبعونية" اليونانية، نجده مكتوباً كما يلي:


καὶ ἀπέθανεν Αρραν ἐνώπιον Θαρα τοῦ πατρὸς αὐτοῦ ἐν τῇ γῇ، ᾗ ἐγενήθη، ἐν τῇ χώρᾳ τῶν Χαλδαίων.


مرة أخرى نراجع جدول أبجديات الحروف اليونانية الوارد أعلاه، ونقرأ من اليسار إلى اليمين المفردة المعنية، لنجد أن فريق "السبعونية" قد حوّل "كشديم - كسديم" إلى "كالدون" أو "كلدون". فلك عزيزي القارئ أن تحكم على دقّة هذه الترجمة التي بدّلت ما يُفترض أنه اسم علم باسم علم آخر لا صلة له به إطلاقاً.


بيد أن هذا التزوير والتحريف لموقع ولادة الخليل إبراهيم (ص) لم يلبث أن انتشر في العالم الغربي تحت ظلال سلطة اليونان المهيمنة على الأقطار آنذاك، كما لو كان اكتشافاً جديداً، واستمر كذلك قرابة 800 سنة حتى البعثة المحمدية، وتعدّاها إلى يومنا هذا. أما نحن، فوقعنا ضحايا آفة التزوير والتحريف، فتلبّست في وعينا وثقافتنا التراثية هذه الأوهام وتسلّلت إلى كُتبنا التاريخية، ومن ثم إلى مساجدنا ومحافلنا القديمة والحديثة، وصولاً إلى مناهجنا التعليمية ، مما أسهم في توغّل هذا الوهم وتجذُّره في ثقافتنا، حتى أصبح كالقلعة الشامخة الحصينة. ويظلّ المستفيد الأول من هذا الإضلال هم أئمة اليهود، الذين نجحوا في إدراج العراق أيضاً ضمن قائمة خريطة "الأرض الموعودة"، بِعَهد "من عند الله". فجعلونا نعترف بل نُسوّق عقائديّاً ادّعاءاتهم الباطلة، من دون أن نشعر.

ولأن خبر دخول العراق في حياة نبي الله إبراهيم (ص) مُزَوَّر ومتعسِّر الهضم ، فقد انعكس ذلك على منقولات المؤرّخين العرب الذين أسَرَتهم هيمنة ثقافة وهميّة عمرها ثمانية قرون قبل البعثة، فأخذوا يعتذرون ويُبرِّرون لليهود فضيحة ذكر الدولة الكلدانية في "التوراة المقدّسة"، رغم أن عهدها بعيد كل البعد عن زمن إبراهيم (ص). فبدلاً من مطالبة اليهود بالحقيقة، و معاتبتهم على افترائهم وتقوّلهم على الله عز وجلّ، أخذ بعضهم يرفع الحرج عن اليهود بزعمه أنهم كانوا يعنون "بابل" عندما ذكروا "الكلدانيين" في الأسفار!! (حيث أن الدولة البابلية تسبق الدولة الكلدانية بقرون كثيرة، وتتزامن حقبتها مع عهد النبي إبراهيم). فأسّسوا عن حسن نيّة "مخرجاً شرعيا" لليهود وقاهُم شرّ الفضيحة. وقد انعكست هذه البلبلة والضبابية الناتجة عن التزوير على كتابات المؤرّخين العرب، فأدَّت ببعضهم إلى نقل جميع الأقوال المتضاربة بشأن موضع ولادة إبراهيم (ص)، فيما نقل آخرون عن اليهود أقوالهم دون تعليق، وسعى غيرهم للتصحيح والترجيح بحسن نية وحسب اجتهادهم. فكانت النتيجة أن نقلهم لهذا التزوير أسَّسَ لثقافة وهميّة في وعينا نحن أجيال اليوم، تتضارب مع شهادة الأرض وعلوم الآثار والعقل والمنطق. (تذكّر أيّها القارئ أن مفردة "تاريخ" مُشتقَّة من "أرّخ" و منها "التراخي" – أي نقل الأخبار من دون تدقيق أو تمحيص. و تذكّر أيضاً أنه عند تعارض العقل و المنطق و العلم مع اللاهوت الديني، فإن 99% من الناس يكفرون بالعلم و العقل و يتّبعون اللاهوت). و ما عليك سوى أن تفتح كتب التراث و التفسير القديمة، لترى بعينِك مدى التخبُّط في "القال و القيل" الذي وقع فيه أساطين "التأريخ" العرب في شأن مكان ولادة النبي إبراهيم (ص)، و سوف تُصاب بالذهول من كثرة التخمينات و التخريجات التي قالوا بها. (لن نعرضها هنا تفادياً للإطالة).


و الأغرب من ذاك كلّه، هو خط السير المزعوم الذي سلكه إبراهيم (ص) و أُسرتِه للوصول إلى فلسطين (حسب زعمهم). فالفقرات التي عرضناها أعلاه من التوراة المُترجمة تشير إلى أنه كانت لديه محطّة وقوف (ترانزيت) عند مدينة "حاران". و لكي تتّضح الصورة أمامنا، فإن "أور" تقع في أقصى جنوب بلاد الرافدين (العراق حاليا)، على الحدود الشمالية لشبه الجزيرة العربية. بينما تقع فلسطين، التي سُمِّيت "أرض كنعان" - و سنُثبت لك زيف هذه التسمية و بُطلانها فيما بعد - إلى الغرب من بلاد الرافدين مباشرة، و يفصل بينهما الطرف الجنوبي من بادية الشام. فخط السير بين "أور" و فلسطين خط واضح و مستقيم (أنظر الخريطة أدناه). أما "حاران"، فتقع في أقصى شمال المنطقة، و بالتحديد داخل المنطقة التركية - الأرمنية القديمة (أقصى شمال سوريا حاليا)، فهي كليّاً خارج خط السير المزعوم لإبراهيم (ص).






وصف مُزوّر لرحلة النبي ابراهيم (ص) من أور، مروراً بحاران، ثم الشام، نزولا إلى "أرض الميعاد" المزعومة (فلسطين)، ثم دخوله وادي النيل، (السهم الأزرق) ثم العودة من وادي النيل مُجدداً، ثم الحلقة التي أضافها المسلمون، و هي عروجه إلى مدينة "مكة" الحالية في جنوب الحجاز (السهم الأخضر). مسافات تستعصي على فهم العقل السليم.



إن وجود حاران على خط سير رحلة الخليل (ص) شكّل مُعضلة كبيرة لباحثي التوراة، و المؤرخين العرب. فقد ذكرتها أسفار التوراة على أنها كانت موطناً مؤقتاً للعشيرة الإبراهيمية. فبعد تحرُّك أب العشيرة (تارح) بعائلته من "أور"، لم يذهب مباشرة إلى "أرض كنعان" المزعومة – و هي هدف الرحلة - مع أن الطريق إليها كانت أقرب وأكثر وضوحاً (السهم الأسود). إنما أخذ يضرب شمالا مسافات بعيدة، حتى وصل إلى مشارف أرمينيا! إليكم النص حرفياً من سفر التكوين:

وقال الرب لابرام: "اذهب من ارضك ومن عشيرتك ومن بيت ابيك الى الارض التي أريك. فأجعلك أمّة عظيمة واباركك وأعظم اسمك وتكون بركة. وابارك مباركيك ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الارض". فذهب أبرام كما قال له الرب وذهب معه لوط. وكان ابرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران. فاخذ ابرام ساراي امراته ولوطا ابن اخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران. وخرجوا ليذهبوا الى ارض كنعان. فاتوا الى ارض كنعان واجتاز ابرام في الارض الى مكان شكيم الى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ في الارض... ]سفرالتكوين 12: 1-6[.


و الغريب أن التوراة لا تذكر أي مبرّر أو دافع لأن يسلك تارح و عشيرته تلك الطريق الطويلة. أللهم إلا إذا فُسِّر الأمر على أن حاران كانت في الأساس موطنهم الأصلي، لكنهم رحلوا إلى أور الرافدين كي يولد إبراهيم (ص) هناك، ليخرجوا منها مجدداً، و يسلكوا الطريق المعاكس باتجاه فلسطين. (و لا تستغرب! فهذه التخريجة قد قال بها الكثير من المفسِّرين العرب أيضاً). فلم يحصل شيء هام في حاران سوى أن أب العشيرة، تارح، مات هناك (ربما لم يحتمل مشقّة الرحلة)، و استلم ابراهيم (ص) زمام الأمور منذ ذلك الحين، إلى أن تلقّى "الوعد الإلهي" بأن نسله سيرثون الأرض من "الفرات إلى النيل" (حسب زعم الترجمات). فتُرى لماذا أُقحِمت "حاران" في خط سير رحلة إبراهيم (ص) المزعومة من العراق إلى "أرض الميعاد"؟

علماً أنه لم يجِد علم الآثار أي وثيقة أو نقش في بلاد ما بين النهرين ذُكر فيها "إبراهيم" أو "لوط" أو "تارح"، أو ورد فيها أي ذكر أو تلميح لعشيرة خرجت من هناك باتجاه "أرض موعودة"، بالرغم من كشفه عن آلاف الوثائق و الألواح المسمارية في بلاد الرافدين.



2) ماذا عن "أور-كسديم"؟

لقد بينَّا لكم أن النص الإرمي الأصلي للأسفار المنسوبة إلى موسى (ص)، و التي تُسمَّى "التوراة"، يذكر بكل وضوح أن مكان ولادة إبراهيم (ص) هو "أر – كسدم" (هكذا يكتب الإسم، بالأحرف الساكنة). إلا أن الأحبار السبعون الذين ترجموا النص إلى اليونانية في القرن الرابع قبل الميلاد، قد ارتأوا استبدال "أر – كسدم" بعبارة "أر – كلدن"، كما أشرنا. و كان الهدف من ذلك جعل موطىء قدم لهذا النبي الجليل في العراق، لأسباب سياسية واضحة. و قد فعلوا نفس الشيء مع سيرة النبي موسى (ص)، حيث أستبدلوا مفردة "مصريم" الواردة أصلاً في النص الإرمي بمفردة "أكيبتو" اليونانية، لكي يجعلوا لبني إسرائيل موطىء قدم في بلاد النيل، تمهيداً للسطوا عليها و نهب خيراتها. (لهذا السبب نجد أن سفارة الكيان الصهيوني في جمهورية "مصر" العربية هي السفارة الوحيدة بين كل سفارت العالم التي يقع مقرّها على الضفّة الغربية لنهر النيل، كونهم يعتبرون أن هذا النهر يشكّل الحدود الغربية لأرضهم "الموعودة").

و بالتالي فعلينا أن نُعيد تلك الفقرة من النص إلى أصلها، و نبحث عن المعنى الصادق لمفردة "أر – كسدم"، آخذين بعين الإعتبار ظاهرة استبدال الأحرف بين لهجات شبه الجزيرة العربية القديمة.

أولاً: لنَقِف قليلاً عند الإسم "أرفكشد بن سام بن نوح"، و هو - بحسب نص الأسفار نفسها – جدّ النبي إبراهيم، و هو الذي تمّ إسقاط إسمه بين يدي وصلات الأمر المُبعثر. فإذا كانت السين و الشين تستبدلان ببعضهما بين الإرمية و العربية، فإن أسم "أرفكشد" يُنطق أيضاً على صورة "أرفكسد".

ثانياً: ما نعرفه عن خاصية نصوص الأسفار في تسمية البلدان بأسماء الأبطال أو أجداد القبائل، و أن مفردة "أر" تعني بكل بساطة البلد أو المعقل أو المدينة في اللغة "العبرية"، ( و هي مشتقة من "أورة" العربية)، و أن حرفي الياء و الميم المضافين إلى أواخر المفردات هما للدلالة على صيغة الجمع في الكثير من اللهجات اليمنية القديمة (مثلا: "إله – ألوهيم / سفرد - سفرديم / كتاب – كتوبيم / إلخ...)، أفلا يعني ذلك أن النص الأصلي – قبل عبث السبعونية – كان يقول بكل وضوح أن النبي إبراهيم ولد في مدينة "كسديم" (أي الكسديين)، و هي جمع لمفدرة "كسد"، أي معقل جدّ القبيلة؟ (تذكّر أن القبائل تُنسب إلى جدّها الأعلى، و بغض النظر إذا كان هذا الجد شخصية حقيقية أو أسطورية). و من ناحية أخرى، فإن قبيلة "كساد" (أي "الكسديين" - كما وردت تسميتهم في بعض المصادر) هي قبيلة من قبائل اليمن الغابرة، و قد ذكرها المؤرخ اليمني الكبير الهمداني في كتاباته ( "الإكليل" و "صفة جزيرة العرب" ) و أشار إلى أن معقلها كان في جنوب اليمن، و تحديداً أطراف وادي حضرموت. أليس هذا التفسير أكثر منطقياً من القول بولادة إبراهيم (ص) في "أور الكلدانيين"، و هي التي لم تكن موجودة أصلاً في زمانه؟ أما تحويل مفردة "كسديم" إلى "كلدون" أو "كلدان"، فهو تزوير صارخ لا يمكن قبوله لا من الناحية اللغوية و لا المنطقية. و لا يوجد عالم لسانيات واحد في العالم يستطيع قبوله.


3) موقع الوادي المقدّس

بعد أن تبيَّن لنا أن فريق "السبعونية" أخفى الموقع الحقيقي لمولد نبي الله إبراهيم (ص) و نقَلَه إلى العراق، وجب علينا إعادة قراءة القرآن الكريم كما نزل، بالترافق مع الشذرات المُترامية و المسكوت عنها هنا وهناك من الأخبار ذات الصِلة في التراث العربي، والتي لم يعرها الكثير من المفسرين أدنى اهتمام، لتناقضها مع الثقافة المُهيمنة في عهودهم، و التي أثبتنا تلوّثها بمداخلات "السبعينية". فالآيات 51 – 71 من "سورة الأنبياء" تورد لنا الأحداث التي مرّ بها نبي الله إبراهيم (ص) أثناء تواجده بين قومه، والتي أدّت إلى خروجه من ديار آبائه و انتقاله إلى أرض وَصَفها الله جلَّ وعلا بالـ "ألأرض التي بارك فيها للعالمين".

ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين؟ * قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين * وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون * قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ * قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟ * قالوا حرِّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني برداً وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين * ونجّيانه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين{...]21: 51 – 71[.


تؤكد هذه الآيات النورانية أن الخليل (ص) انتقل فعلاً من ديار آبائه بعد مقارعته أئمة الضلال في عصره (علماً أن نصوص التوراة لا يرد فيها أي ذكر للخلاف العقائدي الذي وقع بين إبراهيم و قومه). فانتقل إلى موقع جغرافي آخر، إلى أرض نعَتَها الله تعالى بالـ "مباركة عالمياً". فما هي تلك الأرض التي عُرف أنها مباركة وتميّزت بمعرفة العالم لها منذ أقدم العصور؟ إن هذا السؤال بالغ الأهمية، و الإجابة الصادقة و الموضوعية عليه - والمدعومة بعلم الآثار و الأنثروبولوجيا - تتطلّب المزيد من التيقُّن، و سوف نصل إليها حتماً مع نهاية هذا البحث. لكن لا ضرر في المرحلة الحالية من الإلتفات إلى ما ورد في كتب التراث العربي حول هذه المسألة الشائكة. إن الباحث في المرويات القديمة سيجِد أن أرض جنوب الحجاز، حيث مدينة "مكّة" حاليّاً، كانت مقصد إبراهيم (ص) بعد خروجه من موطن الآباء. بيد أن هذا الرأي قد تضارب برأي آخر لم يتَّفق معه حول وجهة هجرة إبراهيم. فلو استعرضنا فهم المُفسِّرين لقوله تعالى }اْلأرضِ الَّتي باركنَا فيها لِلعالَمين{، لوجدنا تبايُناً عجيباً وترجيحات أعجب:



"يقول الطَّبري في "التفسير الكبير" (الجزء 17، صفحة 47): [حدَّثني يونس، قال: أخبرنا بن وهب قال: قال بن زيد: في قوله "ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا" فيها للعالمين، قال: إلى الشام. وقال آخرون: بل يعني مكة، وهي الأرض التي قال الله تعالى: "التي باركنا فيها للعالمين". ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن بن عباس قوله: "ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين" يعني مكة. ونزول إسماعيل البيت ألا ترى أنه يقول: "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين". قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام وبها كان مقامه أيام حياته و إن كان قد كان قدم مكة وبنى بها البيت وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر، غير أنه لم يقم بها ولم يتخذها وطنًا لنفسه ولا لوط. والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما انجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين[. (و انظر أيضاً "تفسير إبن كثير" ج. 3، ص. 186، مع اختلاف في الألفاظ).


لاحظوا هذا التخبُّط الهائل في "العنعنات". و الكارثة الكبرى هي أن الطبري، الذي يُعتبر – و بشهادة السواد الأعظم من المسلمين، على اختلاف مذاهبهم – "سوبرمان" أئمّة السيرة و التاريخ، لم يحسم لنا الأمر تماماً! فكل من يقرأ المقتطف أعلاه، سوف يحتار في أمر "الأرض المباركة للعالمين" هذه، التي كانت وجهة إبراهيم (ص) و لوط (ص): أهي في جنوب الحجاز، أم في الشام؟

المنطق يقول أنه من المستحيل أن يُجانب الصواب أصحاب الرأيين في آن واحد. فإما أن يكون أحدهما على حق و الآخر مخطىء، و إما أن يكون كلاهما على خطأ. و نحن لن نحسم هذه المسألة هنا، لأنه لا تزال هناك الكثير من المعطيات و الحقائق التي يجب عرضها. لكن ما يمكن قوله الآن - من حيث المبدأ - هو أنذاكرة العرب تحوي حقيقة أن الأرض التى نُجّي إليها إبراهيم (ص) كانت في مكانٍ ما في قلب الجزيرة العربية. بيد أن ثمة متوارثات سائدة مبهمة كانت مهيمنة آنذاك، هي التي أدَّت إلى تهميش هذه الحقيقة، حتى طغت هذه المتوارثات على غيرها من الأقوال . وإن أمثال "أبا جعفر" الوارد اسمه في المقتبس أعلاه له أثر في بناء ثقافة أجيال الأمس و أجيال اليوم، مثله مثل أي مُتحدِّث يرِد له رأي في كتب التاريخ. فقد رجّح "أبو جعفر" أرض الشام ، لأنه كما يقول "لا خلاف بين جميع أهل العلم". هذه المقولة الحاسمة نسمعها حتى اليوم ، وهي ذات أثر نفسي فعال في إخماد أي رأي مخالف أو مستفسر، ونسمعها في جلسات التراشق على ألسن المختلفين، وكأن لكل كتلة مذهبية "أهل علم" يختلفون عن الآخرين. وتكون الغلبة عادة لا لمن جاء بالحجّة والبرهان، بل لمن مالت إلى رأيه السلطة الحاكمة آنذاك، فتدور آلة الإعلام السلطوية تروِّج للرأي الذي يناسبها، حتى يختفي الرأي الآخر من ثقافة الناس ووعيهم، ويبقى في أحسن الحالات رهين صفحات الكتب القديمة، في انتظار من يبعث فيه الحياة بعد أن يثبت فساد الرأي الشائع بين الناس. فماذا عن "الآخرين" أصحاب الرأي القائل أن إبراهيم (ص) انتقل من موطنه الأصلي إلى جوار البيت الحرام، و ليس إلى الشام؟ هل هؤلاء مُصنَّفون من "أهل العلم"؟ أم إنهم دون ذلك؟ أم أنهم من ضمن "الشاذّين" الذين خرجوا عن "القطيع" - ذلك القطيع الذي يسوِّقه هامانات السلاطين (رجال الدين) حيثما شاءوا؟ لقد أصبح "إجماع العلماء" المزعوم الأداة الإستبدادية الأولى في ثقافة المسلمين، و غدا مرادفاً لمقولة "هذا من عند الله".


ثم إن هذا "الإجماع" المزعوم الذي تم حسمه بين أهل العلم، كما أفادنا "أبو جعفر" في ذلك الزمن ، هل تم بآلية يمكن اعتمادها عبر الأحقاب المتوالية؟ أم هو مُجرَّد توافق فريق معيًّن على رأي قام بفرضه على أجيال الأمّة بأكملها؟ وما حكاية هذا التبرير الغريب لتفريق إبراهيم (ص) عن عائلته، بادّعاء أن الله أنجى إبراهيم ولوطاً إلى الأرض المباركة وهي الشام، في حين بعث بـ "جاريته" المزعومة "هاجر" وابنه إسماعيل (ص) إلى أرضٍ غير مباركة، حيث بيت الله الحرام؟! وماذا عن زوج إبراهيم (ص) الأولى "سارة"، التي لم يرد اسمها أو ضمير عائد إليها في الآية؟ هل هي من أصحاب الشام المباركة؟ أم أُرسلت هي الأخرى إلى الأرض غير المباركة في قلب الجزيرة العربية، مع هاجر وإسماعيل؟ طبعاً لا يجرؤ أحد القول أن مدينة القدس هي مبرر "بركة" الشام المبهمة، لأن قدس الشام لم يكن لها وجود هناك في عصر إبراهيم (ص). أو هل أن سبب "البركة" في الشام يعود لمجرَّد أن الخليل (ص) قد سافر إليها أكثر من مرّة، حسب خط الرحلات المزعوم الذي رسمته التوراة السبعينية للنبي الجليل وعائلته وغَنَماته عبر قارات العالم القديم، و الذي اجتاز خلاله مسافات تفوق قطر الكرة الأرضية كلها؟

ولو نظرت في كل خبر يلحق إبراهيم (ص) قسراً بالشام، لوجدتَ فيه ثغرات تعجب كيف مرّت دون تعليق أو تحقيق حتى على الناقل نفسه . فلو تتبعت المنقولات عن سبب كون الشام "مباركة للعالمين"، لوجدت الأسباب محصورة في القول التالي للإمام الطوسي في كتاب "التبيان" (ج. 7، ص. 263(:[ وقال الجبائي: أراد أرض الشام. وإنما قال "للعالمين" لما فيها من كثرة الأشجار والخيرات التي ينتفع جميع الخلق بها إذا حلوا بها وإنما جعلها مباركة، لأن أكثر الأنبياء بعثوا منها، فلذلك كانت مباركة. وقيل: لما فيها من كثرة الأشجار والثمار...]


من هذا التبرير نفهم أن العراق، موطن أكبر حضارات آسيا المتلاحقة منذ حوالي سنة 5000 ق.م. من بابليين وآشوريين وأكاديين وكلدانيين، و الذين عاشوا في رقعة أرض تُضاهي وادي النيل في خصوبتها و تنوّع زرعها، لم يكن بها أنهار ولا ثمار ولا أشجار!. فلذلك أنجاه الله من جحود بني قومه إلى فلسطين القديمة، حيث الثمار والأشجار؟! هل تصدِّقون هذا الهراء؟؟

وأمَّا عن كثرة الأنبياء في الشام، فهذا ما لا يقوله كتاب الله بل هو قول أئمة اليهود القدماء، الذي أعاد الترويج له بعد قرون السلاطين الأمويّين، و على رأسهم "بولس العرب" عبد الملِك بن مروان، ثم عاد رؤساء الصهيونيّة يُسوّقون له ابتداءّ من أواخر القرن التاسع عشر. و نحن بترديدنا مقولة "إن الشام هي أرض الأنبياء" إنما نروّج لبضاعة ثقافية يهودية قديمة لم يُفكِّر إلا القليل منّا في وضعها على محك التحليل والمطالبة بالحجّة والبرهان، خصوصاً بعد أن بعث الله خاتم الأنبياء (ص) من أُمّ القرى - في قلب الجزيرة العربية – وفيها ليكون رسولاً لكل الأسرة الإنسانية على وجه الأرض . فكيف، بحقّ السماء، تكون الشام أرض الأنبياء وخاتمهم يخرج من أم القرى؟! ولابد هنا من التأكيد على حقيقة أنه ما من نبي بعثه الله، و أخبرنا قصّته في القرآن، إلا في أرض السّراة و القرى المنتشرة فيها، فقط لا غير. وذلك بنص القرآن نفسه كما بيّنا سابقاً - و كما سنؤكّد لكم لاحقاً - ثم انتشروا في الأقطار بأمر الله. لكن المسلمين للأسف لم ينتبهوا إلى هذه الحقيقة، لأنهم مسخوا كتاب الله، و جعلوه كتاباً يُتلى على القبور و في المآتم فقط، و بات اهتمامهم ينصَبّ على حسن تلاوته و مُراعات "أصول التجويد"، من مدّ و إدغام و غير ذلك، في حين أنهم أقسموا اليمين للشيطان و جنوده ألا يتدبّروه، و ضربوا بمعانيه عرض الحائط.


وبالعودة إلى القرآن الكريم نجد أن إبراهيم ولوطاً (ص) ارتحلا من أرض أجدادهما، كما جاء في سورة "الأنبياء"، ليظهرا في الأرض المباركة للعالمين (التي فيها بيت الله الحرام)، حيث أسكن إبراهيم (ص) ذريته هناك، كما هو واضحاً من النص:

{ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم. ربنا ليقيموا الصلوة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}...[37:14].

إن مفردة "أسكَنتُ" الواردة في النص أعلاه – لو تدبّرها أتباع محمد (ص) – لكانت كفيلة بنسف الخرافة اليهودية التي تسلَّلت إلى عقيدة المسلمين، والقائلة أن إبراهيم (ص) طَرَد "جاريته" و إبنها، بإيعاز من زوجه "سارة". و هاكم مقتبسات من التوراة اليهودية و البهتان العظيم الذي ورد فيها، لكي نرى من أين يستقي المسلمين معتقداتهم:


وأما ساراي امراة ابرام فلم تلد له. وكانت لها جارية (مصرية) اسمها هاجر. فقالت ساراي لابرام هوذا الرب قد امسكني عن الولادة. أدخل على جاريتي. لعلي ارزق منها بنين. فسمع أبرام لقول ساراي. فأخذت ساراي امراة ابرام هاجر (المصرية) جاريتها من بعد عشر سنين لاقامة أبرام في أرض (كنعان) وأعطتها لأبرام رجلها زوجة له. فدخل على هاجر فحبلت. ولما رأت انها حبلت صغرت مولاتها في عينيها. فقالت ساراي لأبرام ظلمي عليك. أنا دفعت جاريتي الى حضنك. فلما رأت أنها حبلت صغرت في عينيها. يقضي الرب بيني وبينك. فقال أبرام لساراي هوذا جاريتك في يدك. افعلي بها ما يحسن في عينيك. فاذلتها ساراي. فهربت من وجهها . فوجدها ملاك الرب على عين الماء في البرية.على العين التي في طريق شور. وقال: يا هاجر جارية ساراي من أين أتيت والى اين تذهبين؟ . فقالت: أنا هاربة من وجه مولاتي ساراي. فقال لها ملاك الرب: إرجعي الى مولاتك واخضعي تحت يديها . وقال لها ملاك الرب: تكثيرا اكثر نسلك فلا يعد من الكثرة . وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين إبنا. وتدعين إسمه اسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. وإنه يكون إنسانا وحشياً. يده على كل واحد ويد كل واحد عليه. وأمام جميع إخوته يسكن... ]سفر التكوين 16: 1-12[.


هكذا يشوّهون شخصية الخليل (ص)، و يصوّرونه رجل ضعيف، ينساق وراء عاطفة زوجه الغيّورة "سارة". كما و يصفون إسماعيل (ص) بإنه الإبن "الوحشي" الذي ستنحدر منه سلالة المتوحشين (العرب، أبناء "الجارية"). و الأمر المستغرب هو قولهم أن "هاجر" هذه كانت "مصرية"، (أي من بلاد النيل – حسب زعمهم). و ما عليك سوى أن تطالع النص المترجم إلى اللغات الغربية، لتبدو لك بوضوح عبارة "Egyptian" في الإشارة إلى جنسية "هاجر". مما يعني أن العرب - أبناء اسماعيل (حسبما تقول الخرافة التي جعلها المسلمون بمثابة عقيدة) - باتوا في الأصل نصف أقباط و نصف عراقيين !! دعونا نتابع النص:


وقالت: "من قال لابراهيم سارة ترضع بنين؟". حتى ولدت ابنا في شيخوخته. فكبر الولد وفطم. وصنع ابراهيم وليمة عظيمة يوم فطام إسحاق. ورأت سارة إبن هاجر (المصرية) الذي ولدته لابراهيم يمزح. فقالت لابراهيم "اطرد هذه الجارية وابنها. لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحق". فقبح الكلام جدا في عيني ابراهيم لسبب ابنه. فقال الله لابراهيم "لا يقبح في عينيك من اجل الغلام ومن اجل جاريتك. في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها. لانه باسحق يدعى لك نسل. وابن الجارية ايضا سأجعله امة لانه نسلك". فبكر ابراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعا أياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برِّية بئر السبع. ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت احدى الاشجار. ومضت وجلست مقابله بعيدا نحو رمية قوس. لأنها قالت: لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. فسمع الله صوت الغلام. ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر. لا تخافي لان الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. قومي احملي الغلام وشدي يدك به.لاني ساجعله امة عظيمة. وفتح الله عينيها فابصرت بئر ماء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام." ]سفر التكوين 21: 7-19[.


هكذا إذاً، يتبيّن لنا مصدر هذه الخرافة الزاعمة أن إبراهيم (ص) طرد "جاريته" و تركها تتوه في البرّية و معها إبنه إسماعيل. علماً ان القرآن لا يرد فيه ذكر لإسم "هاجر" أو "سارة" في الأساس، و لا لبئر "زمزم". و إن كُنّا نُقرّ باحتمال كون النبي إبراهيم (ص) قد تزوج بأكثر من إمرأة – و ذلك عملاً بسنّة الله فيما أحلّه لأنبيائه المرسلين – إلا أن القول بأنها كانت "جارية" هو ترويج للبضاعة اليهودية العنصرية التي صوَّرت العرب على أنهم أبناء "الجارية المصرية" (أو بالأصح "القبطية") و ذريّة "المتوحش" إسماعيل، في حين أنهم "عرق" نقي، كونهم ذريّة زوجه "سارة" الإسرائيلية. كما أن القرآن يقول بكل وضوح أن إبراهيم أسكن ذريته في الوادي المقدس. و شتّان بين الطرد و الإسكان. و النص التوراتي يقول أن هاجر تاهت في برية "بئر السبع"، و هي التي يُعتقد أنها اليوم موقع مدينة Beersheba في فلسطين، و هذه نتيجة طبيعية لجريمة إسقاط جغرافيا سيرة الخليل (ص) على أرض الشام، من قِبل "المترجمين" المستشرقين.


وقد اختار "المؤرخون" المسلمون أن يحوِّروا في القصة قليلاً، فادّعوا أن الله أوحى لإبراهيم أن يأتي الوادي المقدس الذي لا زرع فيه (موقع "مكّة" حالياً، حسب الإعتقاد السائد)، فجاء إبراهيم بإسماعيل وأمّه هاجر فوضعهما هناك بأمر من الله. هل تصدّقون هذه القصة؟ كيف يأمر الله بترك طفل رضيع وأمّه المسكينة وحيدين في أرض غريبة وبعيدة وموحشة فقط ليرضي رغبات إنسان آخر؟ و إذا كان موطن إبراهيم (ص) الأصلي هو الشام، كما تزعمون، فلماذا أبعد "جاريته" مسافة 1,250 كلم في زمن يستغرق فيه مثل هذا السفر أسابيع طويلة عبر صحراء شاسعة، مُهلكة، يصِفُها إبن بطوطة بأن "داخلها مفقود وخارجها مولود"؟ ألم يكن من الأجدى به أن يسكنها في طرف البلدة التي يعيش فيها في الشام، أو في بلدة أخرى مجاورة في المنطقة التي يتحدَّث أهلها اللسان نفسه ولديهم التقاليد نفسها والطعام نفسه؟ لذلك أقحم "المؤرخون" المسلمون في القصّة أن الله قد أمر بذلك، حتى تنتفي تساؤلاتنا السابقة. ("هذا من عند الله").


و نحن نقول لكم الآن، و بكل ثِقة: إن ابراهيم (ص) لم يكن في الشام (فلسطين) أصلا، ولم يرحِّل ابنه إسماعيل بعيداً، ولم تحفر "زمزم" بأجنحة الملائكة لإطفاء ظمأ طفل تركه والده في فلاة قاحلة لكسب رضا زوجه الغيّورة، بل على الأرجح أن البئر – بغض النظر عن إسمها - كانت موجودة هناك أصلاً، أو أن إبراهيم (ص) هو من قام بحفرها و تحديدها بنفسه، كما سنثبت لكم قريباً. و هذا هو معنى "الإسكان" – أي أنه وفّر لهم سبل العيش براحة، و بقي هو نفسه برفقتهم، حيث كرّس ما تبقّى من حياته و من ثم حياة أبنائه لخدمة بيت الله.


و بالعودة إلى نص سفر التكوين، نستذكر الفقرة التالية:

فبكّر ابراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعا أياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر السبع. ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت احدى الاشجار.


فلِنقف قليلاً أمام تلك الفقرة، لأنها تستحِقّ التحليل. فقد استقر في وعي المسلمين أن إبراهيم (ص) " طرد" عائلته من الشام إلى وادي "بكّة" (الذي يعتقدون أنه عينه موقع مدينة "مكّة" الحالية) بأمر من الله، وزوّدهم لهذه الرحلة التي تمتد مئات الكيلومترات بماذا؟ بقربة ماء وخبز! ثم تاهت هاجر في الصحراء على مسافة نفاذ قربة الماء لتجد نفسها في وادٍ من وديان جنوب الحجاز! طبعاً لم تُقِرّ الترجمات الإستشراقيّة للتوراة أن إسماعيل وأمه هاجر وصلا قلب شبه جزيرة العرب، لذا فإن الغرب لا يعرف هذه الحقيقة حتى اليوم، إذ قيل لهم إن هاجر وابنها تاها في منطقة تدعى "بئر السبع" - أو "بئر شبع" كما وردت في النص الإرمي- والتي من المفترض أنها تبعد عن خيام إبراهيم (ص) مسافة نفاذ قربة ماء. و عليه كان لا بد أن تكون بئر السبع في فلسطين حيث خيام إبراهيم (ص)، كما قالوا للعالم، حتى تكتمل دائرة الوهم العالمي . فوضعوا الخرائط والمسمّيات الميدانية على هذا الأساس. وما يهمّنا هنا أن قربة ماء وخبز هما كل ما كان ضرورياً لرحلة هاجر وإسماعيل باعتراف اليهود نفسهم. فكم كيلومتر تقطع سيدة مشياً على الأقدام، وهي تحمل قربة على كتفها وتجرّ طفلاً رضيعاً بيدها، قبل أن تنفذ هذه القربة؟ نقترح بين 5 إلى 20 كلم كحد أقصى. وحيث أننا نعلم أن هاجر وابنها انطلقا من خيام إبراهيم (ص) بصحبته شخصياً (كونه أسكنهما هناك)، وانتهت الرحلة بهم بجوار البيت العتيق؛ فكم هي المسافة المتوقعة من البيت إلى خيام إبراهيم (ص) ؟ 1,250 كلم كما يقول تُراثنا المريض، أم 5 إلى 20 كلم كما يقول المنطق و العقل السليم؟ إذا طرحنا هذا التساؤل المنطقي على "أهل التراث و التفسير" - أولئك الذين احتكروا لنفسهم الحقيقة كونهم استقوا معلوماتهم من "السّلف الصالح" - نجد الجواب وبكل استخفاف واستهتار بالعقل – كما ورد في كتاب "الروض الأنف" للسهيلي (ص. 55 )، هو التالي: "... وكان سبب إنزال هاجر وابنها إسماعيل بمكّة ونقلها إليها من الشام أن سارة بنت عم إبراهيم عليه السلام شجر بينها وبين هاجر أمر، وسماء ما بينهما، فأُمر إبراهيم أن يسير بها إلى مكّة، فاحتملها على البُراق واحتمل معه قربة بماء ومزود تمر، وسار بها حتى أنزلها بمكة في موضع البيت، ثم ولّى راجعا". (لاحظ كيف أدخلوا خُرافة "طرد الجارية" إلى عقيدة المسلمين، مع تحوير بسيط، (retouche)، حيث استبدلوا رغيف الخبز بمزوّد من التمر، و استبدلوا "بئر السبع" بـ "مكّة" و أقحموا "إرادة الله" في الموضوع).


أما نحن فنقول: إن البُراق (الفرس المجنّح) هذا ليس أداة مواصلات، بل هو أداة تزوير وتحريف واستخفاف بعقول الناس، لِسَتر فضيحة تراثية صارخة ولِجَبر معضلة جغرافية عصيّة على الحل. وما سكت عنها أساطين المؤرخين العرب إلا لأنها أطلّت عليهم من تحت عباءة "هذا من عند الله" اللاهوتيّة، فحاروا بها. والاستنتاج العقلي السليم هو أن إبراهيم (ص) ترك موطن آبائه و حطّ برحله في منطقة قريبة جداً من الوادي المقدّس، في مكان ما في قلب الجزيرة العربية، ثم سكن مع زوجه ( و ليس جاريته) هناك، في البقعة المباركة قرب البيت العتيق، و هو يبعد مسافة لا تزيد عن 20 كم كأبعد تقدير من مضارب خيامه الأولى. أما إبنه اسماعيل، فلم يهاجر معهم أصلاً، بل أنه وُلِد في الأرض المباركة هذه، كما وُلِدَ فيها فيما بعد أخوه إسحاق أيضا، رغم أنف الذين أرادوا التفريق بين إبراهيم و بنيه، ضاربين بآيات القرآن عرض الحائط. و من المحتمل أن يكون لوط (ص) قد رافقهم في رحلتهم أول الأمر، كون الآية القرآنية تشير إلى أن الله قد نجّاه و لوطاً إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، ثم افترقا فيما بعد (و سنتناول هذه النقطة بشيء من التفصيل فيما بعد).


و استمراراً بالإستهزاء بعقولنا، علينا أن نصدِّق أن إبراهيم (ص) كان يذهب إلى ابنه كل حين، كما نقل لنا إبن كثير في تفسيره "المُقدّس"، حيث يقول "... وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران (جبال الحجاز الجنوبيّة) وينظر في أمرهما...". و لم يخطر على بال أحد أن يسأل: ترى لما هذه الزيارات المتكررة؟ و كيف يمكن لرجل طاعن في السن أن يسافر مسافة 1,250 كلم ذهابا ثم يقطع مثلها إيابا أي ما مجموعه 2,500 كلم و أن يكرر الرحلة عدة مرات - ليتفقّد في كل وقت أمور أسرته في قلب الجزيرة العربية، وهو في الشام؟ أما الجواب المستهتر للمتسائلين فكان بكل بساطة، و كما ينقله ابن كثير في تتمّة كلامه السابق "... وقد ذكر أنه كان يركب على البُراق سريعاً إلى هناك والله أعلم".

و الله أعلم أنهم في ضلالٍ مُبين!


لا يمكن لأي إنسان لديه ذرّة من عقل سليم أو حسّ للمنطق أن يقبل قصّة التفريق بين إبراهيم (ص) و أسرته التي جاء بها التراث العربي. فنتيجة الإعتقاد الوهمي الذي أسس لفلسطين الشام أن تكون أرض الأنبياء (و من بينهم إبراهيم)، تسلّلت تلك القصّة العجيبة إلى عقيدة المسلمين، الذين وجدوا فيها الحل الوحيد للتوفيق بين فكرة "قدسية" فلسطين المُتخَيّلة، التي ورثوها من اليهود و المسيحيين من ناحية، و بين بيت الله الحرام المرتبط بسيرة إبراهيم (ص) و البعيد كل البعد عن فلسطين، من ناحية ثانية.

لقد أصبح الإعتقاد بتفريق عائلة إبراهيم (ص) إلى جناحين - جناح أول في فلسطين، يتكوّن من إمرأته "الإسرائيلية" سارة و ابنه إسحاق (ص)، و جناح ثاني يتكوّن من "جاريته القبطية" هاجر و ابنه البكر اسماعيل (ص) - في حين بقي إبراهيم (ص) نفسه يترنّح بين الفرعين في رحلات خيالية و متكررة بين فلسطين و جنوب الحجاز على ظهر البُراق، أصبح هذا من صميم عقيدة المسلمين، حيث يُعتبر كل من أنكره ضالاًّ أو كافراً! و الواقع هو أنه حتى نصوص العهد القديم نفسها لم تُحدِث هذا التفريق بين إبراهيم و بنيه كما فعل التراث "الإسلامي". يبدو أن "المفسّرين" الكلاسيكيين، الذين جعلوا أسفار التوراة هي أساس العقيدة، بينما أصبحت آيات القرآن الكريم هي الرديف التابع لتلك الأسفار و المُقيَّد بما ورد فيها، لم ينتبهوا إلى أن سفر التكوين ينصّ بكل وضوح أنه عندما توفّي إبراهيم (ص)، قام إسحاق و اسماعيل بدفنه معاً! و هاكم النص مباشرة من التوراة:



And his sons Isaac and Ishmael buried him in the cave of Macphelah, which is before Mamre, in the field of Ephron the son of Zohar the Hittite… [Genesis 25:9].




الترجمة العربية للفقرة:


و دفَنَه إبناه إسحاق و إسماعيل في مغارة المِقفلة، التي هي قُبالة مَمرا، في حقل عفرون بن صوحر الحوثيّ...]سفر التكوين 25:9[.


فإذا كانت تلك الأماكن (المقفلة - ممرا - حقل عفرون بن صوحر) في فلسطين، كما يزعم اليهود و يؤيّدهم في ذلك السواد الأعظم من المسلمين تأييداً أعمى، فكيف انتقل إسماعيل (ص) إلى هناك؟ هل ركب اسماعيل - "أبو العرب" المزعوم - البُراق أيضاً، و طار إلى فلسطين لكي يُشارك أخاه إسحاق ("أبو اليهود") في دفن والديهما؟ أي هُراء هذا بالله عليكم؟ هل هذه هي عقيدة الإسلام كما جاء بها القرآن؟ لنقرأ كتاب الله و لو لمرّة واحدة في حياتنا، من دون تكبيله بسلاسل اللغو التراثي. لننزع عن أعيننا نظّارات "السلف الصالح" و نقرأه كما أمرنا الله أن نقرأه، و نتدبّر آياته كما هي، بعقلٍ متحرر من كوابل الأفكار المُسبَقة. دعونا نُزيل خمار "الإسرائيليات" عنه لكي نكشف عن شعاع آياته النورانية التي حُجِبت عنّا لأكثر من 14 قرناً من الزمان. ماذا يقول القرآن عن إبراهيم و ولديه؟


{وإذ بوَّأنا لإبرهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيءاً وطهِّر بيتي للطائفين والقائمين والركّع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقُهم من بهيمة الأنعام. فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير{...22]: [28-26.


هل يبدو لكم من الآيات الواردة أعلاه أن إبراهيم (ص) عاد إلى فلسطين بعد قيامه بتطهير بيت الله الحرام، و بعد أن نذر حياته و حياة بنيه لخدمة رب البيت، حيث أصبح إماماً للناس يأتون إليه من كل حدب و صوب في موسم الحج من كل عام؟ ألم يكُن ابراهيم (ص)، و بعد إطالة إقامته في جوار البيت الحرام، هو القائل:


}وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا البلدَ آمناً، واجنبني وبَنيَّ أن نعبد الأصنام * ربِّ إنهن أضللن كثيراً من الناس. فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم * ربنا إني أسكَنتُ من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم. ربّنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون * ربّنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء * الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء{...]35:14-39[.


هل يوجد في الآيات السابقة أي إشارة أو تلميح إلى أن إبراهيم (ص) ترك ابنه إسماعيل في جوار البيت وعاد إلى فلسطين؟ ألم يدعو إبراهيم ربّه أن يجعل ذلك البلد آمنا لذريّته؟ فمن هم هؤلاء الذريّة إذاً؟ هل نصدّق أنهم سلالة إسماعيل فقط دون إسحاق؟ و هل كان إسماعيل وحده يحجّ البيت دون إسحاق؟ لاحظ أيها القارىء الكريم قوله: {واجنبني وبَنيّ أن نعبد الأصنام} فهل كلمة "بنِيَّ" الواردة هنا تشير إلى ولد واحد فقط؟ هل كان الدعاء لإسماعيل فقط، و نسي إسحاق في فلسطين؟ لو بحثت عن تلك الآية القرآنية في جميع "ترجمات" القرآن، فستجد بكل وضوح أنها تدُلّ على صيغة الجمع. و هاكم بعض الترجمات الإنكليزية على سبيل المثال لا الحصر:

ترجمة عبد الله يوسف علي:

{Remember Abraham said: "O my Lord! make this city one of peace and security, and preserve me and my sons from worshipping idols}.


ترجمة محمد "مرمدوك" بيكثال (Mohammad M. Pickthall):

{And when Abraham said: My Lord! Make safe this territory, and preserve me and my sons from serving idols}.


ترجمة محمد حبيب شاكر:

{And when Ibrahim said: My Lord! make this city secure, and save me and my sons from worshipping idols}.


هل وهب الله تعالى إبراهيم (ص) بعد استقراره في جوار البيت، و في سنٍ متقدّم - كما تقول الآيات بوضوح - كلاًّ من إسماعيل و إسحاق، فانتقل مع إسحاق إلى فلسطين؟ و ما هي الغاية من التفريق بين ذريّته بهذا الشكل؟ ثم من هي "إمرأة إبراهيم" العجوز التي ضحكت عند تلقّيها النبأ بأنها ستُنجب إسحاق؟ إليكم الآيات التالية التي تنسِف الوهم المتجذّر في عقول المسلمين، الذين يدّعون نِفاقاً أن القرآن هو المصدر الأول لعقيدتهم:


ولقد جاءت رُسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا سلاماً. قال سلام فما لبث أن جاء بعِجلٍ حنيذ * فلما رءا أيديهم لا تصل إليه نَكَرهم وأوجس منهم خيفة. قالوا لا تخف إنّا اُرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشّرنها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب * قالت يا ويلتى! أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً، إن هذا لشيء عجيب! * قالوا أتعجبين من أمر الله؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد{...]69:11-73[.

إذا كانت المدعوّة "سارة" هي أم إسحاق المقيمة مع إبنها في الأرض المباركة التي هي فلسطين - حسبما تزعم كتب اليهود التي استلهم منها المسلمون عقيدتهم المشوّشة - فهل يعني ذلك أن زيارة رسُل الله لإبراهيم و حملِهم البُشرى لزوجه العجوز كانت هناك في الشام؟ و إذا كان ذلك هو الحال فعلاً، فلماذا كانت تحيّة الرسل لإبراهيم و زوجه "سارة" - على افتراض أن هذا هو اسمها فعلاً - }رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيتفعن أي "بيت" إذاً تتحدّث الآية؟ حبّذ لو قرأنا الآيات التالية:

وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مُصلّى. وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود{...]125:2[.


فيه آيات بيّنات، مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً. ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين{...]97:3[.


}جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم{...]97:5[.


}وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء و تصدية. فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون{...]35:8[.


}ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق{...]29:22[.


}والبيت المعمور{...]4:52[.


أليس هو بيت الله الحرام؟ أليست والدة إسحاق التي حيّتها الملائكة من أهل هذا البيت؟ و هل بيت الله الحرام في فلسطين؟ كيف وصَلَت بنا البلاهة إلى هذا الحد؟


المسافات الجغرافية المزعومة لرحلات الخليل إبراهيم (ص) بين "مكة" وفلسطين، حسب عقيدة المسلمين.




البُراق يحل المعضلة الجغرافية!



و ماذا عن لوط (ص) الذي ورد ذكره في الآيات أعلاه؟


بما أن القرآن يخبرنا أن الله قد أنجى إبراهيم (ص) و معه لوط (ص) إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، فلا يفوتنا في هذه المناسبة ذكر حقيقة أخرى ضمن هذا السياق، و بشكل موجز- على أن يكون لدينا وقفة مطوّلة عندها في فصلٍ لاحق - فيما يتعلّق بقرية لوط (ص) . فهناك آيات بيّنات توضح أن هذه القرية لم تكن بعيدة عن أم القرى، حيث انطلق محمد (ص) بالتبشير برسالته، وكذلك ينبغي أن تكون. وهو عينه ما جاء في كتاب الله:

}وإن لوطاً لمن المُرسَلين * إذ نجّيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزاً في الغابرين * ثم دمّرنا الآخرين * وإنكم لتمرّون عليهم مُصبحين * وبالليل أفلا تعقلون؟{ ... ]37: 133 – 138[.


فمن هم المعنيّون في الآية الكريمة ، الذين يمرّون على المُدَمَّرين صبحاً وليلاً؟ من الواضح أن ضمير "إنكم" عائد على المستمعين لخبر الآية حين النزول، وهم النبي محمد (ص) والمؤمنين من أهل المنطقة التى يقطنها، وليس هذا الضمير مرسلاً لكل مستمع أو قارئ للقرآن. فمُسلمو الصين، مثلاً، لم ولن يمرّوا على قرية لوط (ص) صبحاً أو ليلاً، فالضمير في الآية لا يعنيهم ولا يعني أي مسلم غير أهل السّراة في قلب الجزيرة العربية. كما تشير الآيات بوضوح إلى أن المرور على القرية ذهاباً وإياباً يتم في زمن يقلّ عن 24 ساعة، و قد ذُيِّلت الآيات بضرورة الاستشهاد العقلي - {أَفَلَا تَعقلُون؟}- على هذا الخبر الذي كانوا يجهلونه . ليس هذا فحسب، بل أخبر الله تعالى أنه ترك أثراً واضحاً لتلك القرية المدمّرة الخاوية، لمن أراد أن يبحث عنها:

{ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعاً. وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلّا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بيِّنة لقوم يعقلون}


وهذه دعوة قرآنية أخرى لضرب الأرض بمعاول علوم الحفريات والآثار في كل شبر من أرض السّراة، و على طريق الجادة التجارية القديمة تحديداً، حيث أخبرنا القرآن عن هذه القرية:

{إنها لفي سبيلٍ مقيم}

(أي أنها كانت تقع على طريق تجارية معروفة و مسلوكة باستمرار)، ليتّضح للمسلمين وللعالم ما طمر أئمة اليهود من حقائق جغرافية بثمنٍ بخس. والسبب في عدم العثور على قرية لوط (ص) حتى الآن يكمن في ثقافة توراتية و استشراقية محرِّفة شَهَرت سلاح "هذا من عند الله" لتحريك مسرح الأحداث من جنوب الجزيرة العربية إلى الشام (ما بين فلسطين و الأردن)، فلم يجد لها العالم أثراً هناك. كما قام المفسِّرون هم الآخرون بتفسير الآيات على ضوء الثقافة التوراتية المحرّفة التي كانت راسخة في ذهنهم، فصاروا دون وعي منهم يعزِّزون التحريف والتزوير. وهذا ما نقرؤه في كتب التفاسير فيما يخصّ موقع هذه القرية، من أنها مطمورة تحت مياه البحر الميّت في غور الأردن! (هكذا قرّر أئمة اليهود إخفاء أثر هذه القرية التي يقيناً تقع في جنوب غرب الجزيرة العربية). علما أنه قد تم التنقيب في كل شبر من البحر الميّت، و لم يجدوا شيء هناك. فأين هي إذاً؟ تُرى هل أنها طُمِرت تحت قاع البحر؟ و كيف تكون كذلك، و قد وَصَفَها الله تعالى بأنه تركها {آية بيِّنة}؟



سؤالٌ وجيه لمن شاء أن يتدبّر.


4) ترحيل إبراهيم إلى وادي النيل


يتبع...






عطارد ينطق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بشرية الأنبياء كما ذكرها القرآن .. الورّاق القاعة الدينية 4 08-06-2012 03:08 PM
تاريخ ظهور الأنبياء.. عهد ما قبل نزول طلعت خيري القاعة اللا دينية 0 13-06-2010 09:23 PM
اختطاف جغرافيا الأنبياء Mohanad68 القاعة التاريخية 3 14-02-2010 08:47 AM
جماعة تكفير الأنبياء نهرو طنطاوي القاعة اللا دينية 0 30-12-2009 02:12 AM
حصريا: اخناتون أبو الأنبياء الطارق المكتبة 0 28-10-2008 07:01 PM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +1. الساعة الآن 06:09 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » عرب فور هوست للاستضافة والتصميم

كل ما ينشر بالمنتدى لا يعبر عن رأي المنتدى و لكن عن الأعضاء المشتركين فيه كل برأيه.