اعلن معنا

 


العودة   منتدى العقلانيين العرب > القاعة العامة > القاعة اللا دينية

القاعة اللا دينية قاعة حوار خاصة بالمواضيع اللادينية

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 01-05-2017, 07:08 PM   #1
طارق زينة
عضو أساسي
 
الصورة الرمزية طارق زينة
 
تاريخ التسجيل: May 2013
المشاركات: 1,995
افتراضي من أي جِرَارٍ ينهل الخطاب الديني؟؟

كيف يجيب المفتي؟ وما هي المصادر الأكثر استعمالا، القرآن أم السنّة والفقه؟ وما هي طبيعة البراهين التي يستند إليها خطاب الفتوى؟ وكيف يتمثّل المفتي العالم الذي نعيش فيه؟

ينطلق المفتون في تحديدهم للحلال والحرام من قاعدة ما يقدّمونه على أنه “معلوم من الدين بالضرورة” غير أنهم يستخلصون هذا “المعلوم” من مرجعية يتساوي فيها قول الله وقول الرسول والعلماء، و يبيّنون على أساسها الحق من الباطل. ولا يتوانى المفتون أحيانا في جعل الرّواية أو قول العلماء أعلى من القول الإلهي، معترفين ضمنيا بالطبيعة البشرية الوضعية لما يقدمونه على أنه حكم شرعي “معلوم من الدين بالضرورة”.

يجيب أحدهم عن سؤال حكم الزواج بالكتابية فيقول:” ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب” ويضيف:” فإن قيل فما وجه الحكمة في إباحة المحصنات من أهل الكتاب للمسلمين وعدم إباحة المسلمات للرجال من أهل الكتاب، فالجواب عن ذلك- والله أعلم- أن يقال: إن المسلمين لما آمنوا بالله وبرسله وما أنزل عليهم ومن جملتهم موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام أباح الله لهم نساء أهل الكتاب المحصنات فضلا منه عليهم وإكمالا لإحسانه إليهم، ولما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من الكتاب العظيم وهو القرآن حرم الله عليهم نساء المسلمين حتى يؤمنوا بنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، فإذا آمنوا به حلّ لهم نساؤنا وصار لهم ما لنا وعليهم ما علينا. وهناك حكمة أخرى وهي: أن المرأة ضعيفة سريعة الانقياد للزوج فلو أبيحت المسلمة لرجال أهل الكتاب لأفضى بها ذلك غالبا إلى دين زوجها فاقتضت حكمة الله سبحانه تحريم ذلك”.

كأن القول الفصل في قضية الحلال للبشر، وليس لله، ورغم ذلك يدّعي المفتي أن حكمة الله هي التي اقتضت ذلك. كما يبدو بوضوح المنطق الغريب المؤسس على تناقض قولي استخرج منه المفتي حكمه. فبالنسبة إلى الذّكر وبجملة مختصرة مفيدة “ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب”، ونلاحظ اقتصار المفتي على أهل العلم رغم إباحة القرآن ذلك في نص واضح و قطعي الدلالة، لأن تقديمه للمرجعية البشرية تسمح له بتجاوز الحكم الإلهي بالإباحة بالنسبة إلى الأنثى.

و تظهر المغالطة في بناء الحجة على مقدمة صحيحة تقول:” فالجواب عن ذلك- والله أعلم- أن يقال: إن المسلمين لما آمنوا بالله وبرسله (…) ومن جملتهم موسى بن عمران وعيسى بن مريم (…) أباح الله لهم نساء أهل الكتاب المحصنات فضلا منه عليهم وإكمالا لإحسانه إليهم” ثم يستنتج بالنسبة للمرأة: “ولما كفر أهل الكتاب بمحمد (…) حرم الله عليهم نساء المسلمين حتى يؤمنوا بنبيه (…)”

هكذا إذن، عندما يتعلق الأمر بالنكاح يصبح متعلقا بما يؤمن به الذّكر مسلما كان أو كتابيا فيتحول الحكم إلى جائزة للأول وعقابا للثاني. إنه مجرّد تواصل لمنطق زملائهم الفقهاء القدامى الذين كافؤوا الرّجل المسلم بمعين لا ينضب من جميع أنواع النساء دنيا وآخرة.
ومن الطريف أنّ القدامى استثنوا المتزوج بالكتابية من حد الرجم إذا زنى. فيظل له الحق في نكاح الكتابية والحق في الزنا بدعوى أنه غير محصن.

وما عسانا أن نقول تجاه هذا المنطق المختل إلى أقصى الحدود سوى: ولله في خلقه شؤون.

ولا يقبل الفقهاء بصفة عامة التعامل مع أهل الكتاب إلا فيما يتعلق بنكاح نسائهم. و ما عدا ذلك فإنه تجوز لعنتهم. يقول أحدهم: ” وقال عمر عن النصارى: “أهينوهم ولا تظلموهم، فلقد سبوا الله مسبة ما سبه أحد من البشر”، و يؤكّد آخر: “لا يجوز للحاكم المسلم أن يتخذ كافراً كاتباً، فمن باب أولى عدم جواز اتخاذه نائباً أو وزيراً أو عاملاً، وهذا مما هو معلوم من الدين بالضرورة”.

فمن أين يملأ هؤلاء جرار “معلومهم من الدّين بالضرورة “؟

بل و يؤكد المفتي بأن آية تحليل طعام أهل الكتاب والزواج منهم لا تتعارض مع نبذهم، فيقول حرفيا: “لا تمنع الآية لعن الكفار من أهل الكتاب، والدعاء عليهم، ومجاهدتهم للدخول في الإسلام، ولكنها رخصت في التعامل مع الأهل منهم والجيران في حدود ما بيّنه الشارع. 1- لا نبدأهم بالسلام، فإذا بدؤونا بالسلام قلنا: “وعليكم”، أو رددنا عليهم بأية تحية أخرى نحو “صباح الخير”، “كيف حالك”. 2- عيادة المريض منهم إذا كان يرجى إسلامه “… و أين بيّن الشارع هذا؟ أو من هو المقصود بالشارع بالنسبة لمفتينا هذا؟ فقد استعصى علينا معرفة السّند الشّرعي الذي يعتمده المفتون في قرننا للتعامل مع “أهل الذمة” حتى في الكلام و السلام. هل يعتمدون على الآية 29 من سورة التوبة: ” قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”، أم على الآية الخامسة من سورة المائدة “اليوم أحلّ لكم الطيبات و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامهم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم”؟

ولم نفهم سبب تجاهلهم لسقوط هذا الحكم أصلا في الدول الإسلامية باتفاق عديد الفقهاء المعاصرين على انتهاء عقد الذمة بعد قيام الدولة الحديثة التي لا يمكن اعتبارها خلفا للدولة الإسلامية التي عقدت هذا العقد. وتمّ الاتفاق بالتالي على سقوط الجزية وعلى جواز مشاركة غير المسلمين في الدفاع عن الوطن، و هو أمر معمول به في مصر والعراق وسورية ولبنان و الأردن وفلسطين. و قد علّل الفقهاء اجتهادهم باعتبار أن النص القرآني رتّب هذا الحكم على حال القتال، أن هذه الوضعية لم تعد قائمة اليوم، لأن عقد الدولة الإسلامية المعاصرة لم ينشأ على أساسها بل على أساس مفهوم المواطنة الذي لا يفرق بين المواطنين لاعتبارات دينية.

كما أسقط عقد أهل الذمة منذ سنة 22 هجري، سراقة بن عمرو عن أهل أرمنية وحبيب بن مسلمة الفهري عن أهل أنطاكية، على أساس أن “الحكم له علة يدور معها، فحيث وجدت وجد الحكم وحيثما انتفت انتفى الحكم”. فما الذي تغير في القرن الخامس عشر هجري حتى يطالب مفتوه بإهانة أهل الكتاب و إقصائهم عن المشاركة في الحياة السياسية لوطنهم؟ هل هو نوع من التشفي من هذا العصر الذي أصبح فيه المسلم يلجأ إلى بلاد الذمي هربا من الفقر ومن القهر السياسي، بل ويقبل بأحكامها وهو صاغر؟ إنها فعلا كبيرة على الذين يؤمنون بأنهم “خير أمة أخرجت للناس” في المطلق. ربما كان هذا سبب إصرارهم على الإبقاء على تحليل نكاح الرجل المسلم بنات أهل الذمة مع تحريم المعاملة بالمثل لكي تتوازن الإهانات.

ويتعامل المفتون، كما السائلون، مع المرأة المسلمة تماما كما يتعاملون مع الذمي، أي بعقلية النبذ والإقصاء والعقد النفسية. فكما أنه “لا يجوز للذمي تقلّد مناصب قيادية لان المسلم يجب أن يتولى أمره مسلم” فإنه “لا يجوز للمرأة أن تتولى الوظائف العامة” لأنه “لا يجوز للمرأة مخاطبة الرجال عموماً والاختلاط بهم، و لأن ذلك دليل على رعونة المرأة وجرأتها، وهو مما يحملها على إسقاط الحياء وقلة الاحتشام، ورفع الصوت وذلك ينافي أنوثتها وحياءها (…) و يكون سببا في انتشار التبرج والسفور، وغيره من الدوافع إلى الفواحش والمنكرات، والله أعلم”

كل هذه المصائب ستحصل وتحلّ القيامة، في نظرهم، لمجرد انتصاب امرأة للقضاء مثلا. وعلامات الساعة تبرق فعلا في أدمغتهم حين يرون الأرقام الدّالة على تفوق الإناث على الذكور في الدراسة في العالم الإسلامي والعالم أجمع. فكيف يستطيع عقل من يؤمن بمقولة “ناقصات عقل” تحمل هذا الخطب؟

هذا الركام من النظريات المختلفة والمتناقضة التي يتداخل فيها السياسي بالسيكولوجي، هو إذن ما اتفق المفتون على تسميته معلوما من الدين بالضرورة.

وللإنصاف فإنّ المفتين يقولون أحيانا في المرأة ما لا يقولونه في الذمّي، خاصة إذا كان يرجى إسلامه أو إذا كان من الأهل، أي ممن قبل بأن ينكح مسلما ابنته مثلا. و الذمي يمكن له أيضا أن يلتحق متى شاء بجنس الرجال كاملي الحقوق لأن عاهته طارئة ومتعلقة بمجرد عقيدة، أما المرأة المسلمة فعاهتها مستديمة بسبب تركيبتها البيولوجية كما يؤكد ذلك بكل صلف أحد المفتيين: “نعم جنس الرجال أفضل من جنس النساء في الجملة لأسباب كثيرة وإنما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جنس النساء دون جنس الرجال في العقل وفي الدين من هاتين الحيثيتين اللتين بيّنهما النبي صلى الله عليه وسلم”

فلا نستغرب والحال تلك، أن يعتبر أحدهم أن:” تعدد الزوجات لا يكون إهانة للأنثى إلا إذا وقع بالإكراه، ”...، فهذه المخلوقة الغريبة شبه الإنسان يمكن أن تقبل، دون إكراه، حسب تصورهم، اقتسام زوجها مع مخلوقة ناقصة مثلها، ...". يبقى المهم بالنسبة للمفتي ألا تجوع المسكينة، فيقول:

“أما أن يتزوج الرجل بأنثى أخرى باختيارها ورضاها ويقوم لها بكل حقوقها الشرعية، ثم يكون من حق الزوجة القديمة كل حقوقها مع العدل، وأن يكون أيضا من حقها أن تفتدى نفسها وتتركه، كل ذلك ليس فيه أدنى إهانة للمرأة. بل على العكس هو حفظ لكرامتها ولكيان الأسرة”.

ولكي يعتقد شخص بأن حياة المرأة في حريم، هو حفظ لكرامتها، معناه أنه لا يرى فيها أكثر من دجاجة تعيش في قنّ يحكمه ديك.

ويصل الأمر بهم حدّ التلاعب بالألفاظ عندما يتعلّق الأمر بتحقيق شهوات الجنس الأعلى على حساب الجنس الأدنى. يفتي أحدهم في التعدد كالآتي: “لا يوجد حدّ أقصى في الزواج، و هذا بنص الآية الكريمة “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاثة و رباع” و قوله “ما طاب لكم” تفيد من تشاء من النساء طالما رضيت ودفعت مهرها. “وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين”. فحين نقول سار الجيش مثنى مثنى، أو ثلاث ثلاث، أو رباع رباع فإن هذا يفيد استمرار العدد بدون توقف”.

والحق أن مفتينا لم يكن في حاجة إلى إرهاق نفسه في البحث اللغوي الشاق. فقد قال قبله الظاهرية، أي المتمسكين بحرفية النص، أن العدد المباح هو ثماني عشر لأن المعنى، حسب تقديرهم، من مثنى وثلاث ورباع هو اثنان اثنان و ثلاث ثلاث وأربع أربع، وأن “الواو” للجمع فيكون المجموع ثماني عشرة. كما سبقه الشّيعة، الذين كانوا أقل جشعا، فادعوا بأن الآية تبيح للرجل الزواج بتسعة. و قد اعتمدوا في ذلك على أن “الواو” الجامعة بين مثنى وثلاث ورباع هي للجمع. لأن الآية تسمح للرجل التّسري بما ملكت يمينه أي بالجواري والإماء وإن كن متزوجات (البخاري مج 3 ج 7 ص 13) والمسبيّات وإن كن محصنات (البخاري مج 1 ج 1 ص 104) و قد وردت رخصة التسري بالجواري أو المسبيّات في 25 موضعا من القرآن. غير أنّ أصحاب الفقه الجعفري يفتحون على النساء “مكرمة جعفرية” بإضافة ما يسمى بزواج المتعة استنادا إلى الآيتين (24 و 25 من سورة النساء).

ومن الغريب أن تبعث من جديد هذه الشهوات الفولكلورية، التي نعت الرازي في تفسيره أصحابها ب”قوم سُدى” أي ضائعين في تفكيرهم، في عصر لم تعد الخلافات البيولوجية بين الجنسين تمنع المرأة من ممارسة معظم أعمال الرجل و بالمقابل فإن بعض أعمال المرأة لا يمكن أن يتقنها الرجل.

غير أن الأمر لا يبدو محرجا لمن يرومون اليوم إعادة بناء المجتمع على هذه الأسس. فالإسلاميون يقولون بوضوح بأن فكرة “المساواة بين الجنسين فكرة في منتهى الغرابة” على حسب تعبير القائد الإسلامي التونسي راشد الغنوشي وغيره. و يفسّر عبد المجيد النجار، أحد منظري الحركة الإسلامية في تونس مفهوم المساواة في الإسلام كالآتي: “المساواة التي تضمن العدل، لا بد أن تكون قائمة على الموازنة بين القدر والمعطى وبين طبيعة الأفراد والمعطى لهم. وهذه المساواة أقامتها التعاليم الإسلامية بين أفراد الإنسان عامة وبين الرجل والمرأة خاصّة “. وبذلك وضعت الحركات الإسلامية المرأة والذمّي وغير العالمين بالدين والعبيد وربما أيضا غير المنتمين إلى قبيلة قريش أمام جدار قدري أبدي لا منفذ فيه لتغيير واقعهم. و يصرّ الإسلامييون بذلك على إعادة تأسيس مجتمع لا يختلف عن المجتمع الذي صوره ونظّر له الفقهاء من قرون خلت. وهو مجتمع مؤسس على سلم اجتماعي ينطلق من “الأقل عقلا وحرية” وينتهي إلى ” الأكثر قدرة على التصرف شرعا ” ، رتب فيه البشر على درجات متفاوتة بحسب ما قرّره النص وما أضافه الفقهاء تأويلا. و لكي نقيس مدى تقهقرنا يكفي أن نورد الواقعة التالية التي حصلت في القرن التاسع عشر والمتمثلة في حوار دار بين المصلح التونسي بيرم الخامس و باي تونس، والدّالة على استيعاب بيرم لمفهومي الحرية والمساواة كما جاءا في الفكر الحديث. قال الوالي لبيرم، معاتبا إياه على تعضيده مطالب الأهالي: ” أأعطي الحرية للنّجار والحدّاد؟ إن النّجار والحدّاد إذا أعطيا الحرية أساءا التصرف بها و لم تبق لنا معهما راحة “، فرد بيرم: “إن الحرية التي يعطيها سيدنا للحدّاد والنّجار تصيّرهما مثلي ومثل هذا” و أشار إلى أحد الجالسين.

و على عكس بيرم الجريء، فإنّ المفتي على المواقع الإلكترونية يعلّق الحكم ويخفت صوته حين يتعلق الأمر بالسياسة وبأولي الأمر. يجيب أحدهم على حكم العمل تحت قيادة الجيش الأمير في العراق بالقول: “فإن هذا الأمر يجب فيه إتباع أمر أولياء الأمور من العلماء والقادة المأمونين في العراق، ثم تنفيذ ما يرون رجحانه في ذلك”.

و يردّ آخر على سؤال مدى شرعية اتهام تيار الإخوان المسلمين للدولة بالكفر لأنها لا تحكم بما أنزل الله، فيقول: “ذلك شأن يخص الله وحده، الله تعالى وحده هو الذي سيحاسب عليه يوم القيامة فلا مجال لأحد لأن يتقمص ذات الله ويتحدث باسم الله فيتّهم من يشاء بالكفر ويلقى بمن يشاء في الجحيم إذا اختلف معه سياسيا أو دينيا”.

و حول سؤال يتعلق بسبب تراجع مفتي سعودي سنّي مشهور في فتوى إيجابية تتعلق بحزب الله اللبناني وسابقة على حرب صائفة 2006، يوضح المفتي أن فتواه كانت “مرتبطة بإطار مختلف” ويقول بأن آية “أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون” التي كان قد برّر بها موقفه السابق: “لا تتعلق بما يسمى حزب الله في لبنان، لأن الرافضة (الشيعة) في كل مكان ليسوا من حزب الله، وذلك لأنهم يكفّرون أهل السنة، ويكّفرون الصحابة الذين نقلوا لنا الإسلام ونقلوا لنا القرآن، وكذلك يطعنون في القرآن ويدّعون أنه محرّف وأنه منقوص منه أكثر من ثلثيه، وذلك لمّا لم يجدوا فيه شيئاً يتعلق بأهل البيت، كذلك هم يشركون بدعاء أئمتهم الذين هم الأئمة الاثني عشر (…) فإذا وجد حزب لله تعالى ينصرون الله وينصرون الإسلام في لبنان أو غيرها من البلاد الإسلامية، فإننا نحبهم ونشجعهم وندعو لهم بالثبات، وحيث أن الموضوع الآن موضوع فتنة وحرب بين اليهود وبين من يسمون حزب الله، واكتوى بنارها المستضعفون ممن لا حول لهم ولا قوة، فنقول لا شك أن هذه الفتنة التي قام بها اليهود وحاربوا المسلمين في فلسطين وحاربوا أهل لبنان أنها فتنة شيطانية وندعو الله تعالى أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم (…) وأن يرد كيد اليهود والنصارى والرافضة وسائر المخالفين الذين يهاجمون المسلمين في لبنان وفي فلسطين وفي العراق وفي الأفغان وفي سائر البلاد الإسلامية “.

هذا الوابل من الشتائم استحقه حزب الله اللبناني الشيعي بعد أن شعر الخليجيون بخطر الغزو الجعفري الداهم، أما قبل ذلك فقد كانوا يعتبرونهم مجاهدين في سبيل الله. و قد سبق أن تعاملوا بالمنطق ذاته مع صدام حسين. فقد كان صدام كافرا ملحدا حين هجم على دولة الكويت ثم عاد مسلما حين شنقه الشيعة. فلو تركوا الدين جانبا وتعاملوا مع القضايا السياسة بمنطق سياسي لما كانوا وقعوا ضحية للاستهزاء الذي يبدو وكأنه استهزاء بالدين.

ويعود سبب ذلك إلى اعتماد كل مفتي ثنائية مؤسسة على الإسلام كما يفهمه هو، كحق مطلق، و الإسلام كما يفهمه الآخرون، كباطل في المطلق، معياره في ذلك النّظارات أو شبكة القراءة التي اختارها هو بنفسه والتي تحدد حقل المعرفة للسائل وتوجه عملية تفكيره. وتكمن أهمية النظام المعرفي في كونه يمثل سلطة تحدد أصول التفكير ومنطلقاته وآلياته، أي القوانين العامة الأساسية للتفكير. وتتحكم هذه السلطة بقدر كبير في مدلول المصطلحات لمجموعة ما وبالتالي في لغتها ومعانيها.

وبالنهاية فإن ما يقدمه المفتون على أنه نتيجة جهد البحث الشخصي يجري في الحقيقة في إطار المعلومات المنقولة عن الفقهاء، ويقدم على أنه حكم متضمن في النص. ويتم ذلك دون التنبيه إلى الحقيقة التاريخية والتأويلية التي صاحبت هذه الأحكام التي تتم مقايسة الحوادث المستجدة عليها، ذلك أن مبدأ تأصيل الأحكام أدى قديما إلى ما يصفه “محمد أركون” بعملية التنزيه للأحكام الشرعية والممارسات الإيديولوجية البشرية” أي أنها مجرد إعادة إنتاج إيديولوجي ماض في الحاضر. إنهم مجرد “صائغيّة”، غير قادرين حتى على إبداع قوالب خاصة بهم، يسكبون حيرة وقلق وغضب واستغراب واستنكار السائلين في القوالب الموروثة. و يرمون الفائض عن الحاجة في سلة البدع والضلالات أو حتى الكفر.

أما لماذا تختلف هذه القوالب من فريق إلى آخر مما يعطي أجوبة مختلفة وأحيانا متناقضة لنفس السؤال، فذلك راجع إلى تعدد الفرق السياسية واختلاف المصالح الدنيوية فيبدو الأمر وكأنه فوضى، حيث لا يجب أن يكون باعتبار الانطلاق من شريعة واحدة، وهو ما يدل بوضوح على أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد رأي وليس حكما إلهيا. و حتى الذين يدّعون الاقتصار على القرآن يسقطون في تأويلات لا يستسيغها لا العقل ولا الدين. فقد أفتى صاحب موقع “القرآنيون” بجواز التّدخين، رغم مضاره، باعتبار عدم ورود ما يحرّمه في القرآن. وقد قال قبله الخوارج الذين اخذوا على أنفسهم التقييد بالنص الحرفي للقرآن بأنه يجوز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها التزاما بآية المحرمات التي لا تحرم حرفيا إلا الجمع بين الأختين. وقياسا كان يمكن لهم أيضا الإفتاء بجواز التزوج بالجدات اللاتي لم يرد ذكرهن حرفيا في آية المحرمات.

لا يبدو الأمر مخجلا أو محرجا لمن يتعايش مع حالة سكيزوفرينيا (فصام في الشخصية) مزمنة على كل المستويات. فهم يعيشون ازدواجية زمنية تاريخية تظهر في تأرجحهم بين الحاضر والماضي السحيق، حيث يحملون عقل القرن الحادي والعشرين ويفكرون بعقل القرن الأول للهجرة “منبع الإسلام الصافي” مما يجعلهم يعيشون أيضا ازدواجية مفاهيمية تظهر في لغة الإسقاط المتململة بين الشورى والديمقراطية والاجتهاد وحرية الرأي وحقوق الرجل وحقوق المرأة. ثم هناك أيضا ازدواجية الهوية التي تتمثل في تمزق هذا الكائن بين الانتماء إلى وطن محدد جغرافيا، وبين التطلع إلى الاندماج في رقعة أوسع محددة بهوية دينية وهي العالم الإسلامي. و حتى داخل هذه الازدواجية، ثمة ازدواجية أخرى يمكن أن نسميها بازدواجية الولاء السياسي. فإلى أية سلطة يرضخون؟ هل إلي سلطة الدولة والحاكم البشري أم إلى سلطة أعلى، سلطة المقدس؟ وأي مقدس؟ هل هو ما جاء به القرآن أو ما دفعت به مجمل النظريات السياسية التي تخللت التاريخ الإسلامي؟

https://www.alawan.org/2013/12/08/%D...4%D9%8A%D9%82/
__________________
قبل القيام بالثورة، يجب تسليح الرأس لا الأيدي
طارق زينة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تجديد الخطاب الديني : د.سيد آدم القاعة الدينية 4 05-01-2016 05:18 PM
تجديد الخطاب الديني...الخليج الاماراتية مااهر صحافة و إعلام 0 17-06-2014 03:00 PM
الخواجه عبد القادر ونقد الخطاب الديني يجعله عامر القاعة الدينية 0 30-08-2012 09:17 AM
أضاءات حول الخطاب الديني مصطفى2010 القاعة الدينية 0 14-02-2010 03:00 AM
القرآن من التفسير الموروث الى تحليل الخطاب الديني يجعله عامر المكتبة 1 10-10-2008 06:03 PM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +1. الساعة الآن 09:48 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » عرب فور هوست للاستضافة والتصميم

كل ما ينشر بالمنتدى لا يعبر عن رأي المنتدى و لكن عن الأعضاء المشتركين فيه كل برأيه.